أوراق للطفولة : حين كان والدي يرفع صوت التلفاز

ليلى سعد القحطاني ✍🏻🦋
في “أوراق للطفولة”، لا نحكي عن الطفل فقط… بل نحاول أن نفهم ما لا يقوله
حين كان والدي يرفع صوت التلفاز ليست كل الاستجابات سواء ، هناك استجابة تأتي خوفًا، وأخرى تأتي مجاملة، وثالثة تأتي على عجل… لكن التلبية هي أرقى أنواع الاستجابة؛ لأنها استجابة ممتلئة بالمحبة. أن يُنادى القلب فيقول فورًا: “لبيك”، أي أنا حاضر بكل روحي، مقبل إليك دون تردد.
ولهذا تبدو التلبية مختلفة عن أي كلمات أخرى. فيها خضوع وطمأنينة وشوق، وكأن الإنسان يعلن لله أنه ما زال يسمع النداء وسط ضجيج الحياة كله.
ومنذ اللحظة الأولى التي رُفع فيها نداء الحج، بقي صداه يعبر الأزمنة والقلوب. يقول الله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢٧)سورة الحج
وكأن التلبية التي نسمعها اليوم ما هي إلا الجواب المستمر على ذلك النداء القديم؛ نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي لا تزال الأرواح تستجيب له حتى الآن.
ولهذا، من الجميل أن يردد الأطفال التلبية في أيام العشر من ذي الحجة، حتى وإن لم يكونوا حجاجًا. فالأمر لا يتعلق بالسفر فقط، بل بالشعور بالانتماء لهذه الأيام المباركة، وبأن القلب أيضًا يستطيع أن “يلبي” بطريقته الخاصة؛ بالصلاة، والذكر، والدعاء، والطاعة.
حين يردد الطفل: “لبيك اللهم لبيك”، فهو يتعلم معنى الاستجابة لله بمحبة، ويتذوق جمال الذكر منذ صغره، وتبقى هذه الكلمات مرتبطة في ذاكرته بأيام نورانية مختلفة عن بقية أيام السنة.
وأظن أن أجمل ما يبقى في الطفولة ليس الشرح الطويل، بل الأجواء التي كانت تصنع المعنى داخلنا دون أن نشعر.
أتذكر جيدًا كيف كان والدي رحمه الله ، مع دخول أيام الحج، يرفع صوت التلفاز منذ الصباح، لتملأ التلبية البيت كله. كنا نسمع أصوات الحجاج تتردد في الغرف: “لبيك اللهم لبيك…”
وكان الأمر يبدو لنا غريبًا أحيانًا. لماذا يظل هذا الصوت حاضرًا طوال اليوم؟
فيجيبنا والدي ببساطته المحببة: حتى يشعر كل من في البيت أنه يعيش هذه الأيام المباركة مع الحجاج… وحتى تعتاد قلوبكم سماع التلبية.
لم يكن يريد فقط أن نستمع، بل أن تنطبع هذه الشعائر في أرواحنا بهدوء، أن تصبح التلبية جزءًا من ذاكرة البيت، مثل رائحة القهوة صباح العيد، أو تكبيرات الفجر.
واليوم، كلما سمعت التلبية، لا أتذكر الحج وحده… بل أتذكر بيتنا القديم، وصوت والدي، وذلك الشعور الدافئ الذي كان يجعلنا نحس أن مكة أقرب إلينا مما نظن.
فالأطفال لا يتذكرون كل ما نقوله لهم، لكنهم يتذكرون جيدًا ما شعروا به في بيوتهم. يتذكرون الأصوات التي ملأت الأيام، والطقوس الصغيرة التي منحت المواسم روحها، والقلوب التي كانت تعيش الشعائر بصدق أمامهم.
لذلك، اصنعوا لأطفالكم ذاكرة جميلة مع أيام العشر. دعوا التلبية تُسمع في البيت، واحكوا لهم عن الحجاج، ورددوا التكبير معهم، واجعلوا لهذه الأيام ملمحًا مختلفًا عن سائر الأيام. فالأطفال يكبرون سريعًا، لكن الأصوات والمشاعر التي عاشت في بيوتهم تبقى طويلًا في أرواحهم.
وحين يقفون يومًا هناك، ويرددون: “لبيك اللهم لبيك”، سيتذكرون أول مرة سمعوا فيها التلبية عندما رددوها في البيت مع أسرتهم … كما فعلت أنا ذلك .
فرحم الله والدي، وجزى الله الوالدين خير الجزاء



