منوعات

المسؤولية المجتمعية وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة… من الرعوية إلى صناعة الأثر

بقلم الدكتور / مرزوق بن عمريه

في وطننا الغالي، لم تعد المسؤولية المجتمعية مفهومًا هامشيًا يُمارس على نطاق محدود أو يرتبط بمناسبات موسمية، بل أصبحت اليوم جزءًا أصيلًا من مسيرة التنمية الوطنية، وأحد المؤشرات الحقيقية على نضج المؤسسات ومدى إيمانها بدورها تجاه المجتمع والإنسان. ومن هذا المنطلق، يأتي تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة كواحد من أهم المسارات التي تعكس التحول الذي تعيشه المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، والتي وضعت الإنسان أولًا، وجعلت جودة الحياة والتمكين والاستدامة من أولوياتها الكبرى.
وعندما نتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة، فنحن لا نتحدث عن فئة تحتاج إلى الشفقة أو الرعاية بقدر ما نتحدث عن طاقات وقدرات وكفاءات تستحق أن تُمنح الفرصة العادلة لتشارك في البناء والتنمية وصناعة الأثر. وهذا التحول الفكري هو جوهر المسؤولية المجتمعية الحديثة؛ الانتقال من مفهوم الرعوية إلى مفهوم التمكين.
لقد أثبتت التجارب أن أكبر عائق أمام الأشخاص ذوي الإعاقة ليس الإعاقة ذاتها، بل محدودية الفرص وضعف التهيئة المجتمعية والمهنية. وعندما تتوفر البيئة المناسبة، والتأهيل المهني الملائم، والدعم المؤسسي الحقيقي، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة يقدمون نماذج استثنائية في الالتزام والإنتاجية والإبداع والاستقرار الوظيفي.
ومن خلال تجربتنا في مؤسسة سعي لتأهيل وتوظيف ذوي الإعاقة، لمسنا قصص نجاح ملهمة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأهم والأبقى. رأينا شبابًا وفتيات انتقلوا من الانتظار إلى الإنجاز، ومن البحث عن فرصة إلى صناعة قيمة مضافة داخل جهات عملهم. وهذه النجاحات لم تكن لتتحقق لولا وجود شركاء آمنوا بأن المسؤولية المجتمعية ليست إعلانًا إعلاميًا، بل التزام حقيقي وأثر مستدام.
إن التأهيل المهني والتوظيف يمثلان حجر الأساس في رحلة التمكين. فكل وظيفة يحصل عليها شخص ذو إعاقة لا تعني فقط دخلًا ماديًا، بل تعني كرامة واستقلالية وثقة بالنفس ومشاركة حقيقية في المجتمع. كما أن الأثر يمتد ليشمل الأسرة كاملة، ويخلق حالة من الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي.
واليوم، نحن بحاجة إلى أن تنظر الشركات والمؤسسات إلى توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة باعتباره استثمارًا اجتماعيًا واقتصاديًا ناجحًا، وليس مجرد التزام أو مبادرة تحسين صورة. فالشركات التي تملك بيئات عمل دامجة تحقق فوائد متعددة، تبدأ من تعزيز التنوع والابتكار داخل فرق العمل، ولا تنتهي عند رفع الولاء الوظيفي وتحسين السمعة المؤسسية وتحقيق معايير الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
كما أن قياس أثر توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة أصبح ضرورة مهمة في المرحلة الحالية. فنجاح المبادرات لا يُقاس بعدد الفرص الوظيفية فقط، بل يقاس بالأثر طويل المدى الذي تصنعه تلك الفرص على الفرد والمنشأة والمجتمع. وعندما نرى موظفًا ذا إعاقة يحقق الاستقرار المهني، ويتطور وظيفيًا، ويصبح عنصرًا منتجًا ومؤثرًا، فنحن أمام قصة نجاح تنموية حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن الاستثمار الاجتماعي لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح جزءًا من تنافسية المؤسسات واستدامتها. فالعالم اليوم يتجه نحو قياس أثر الشركات على المجتمع، ومدى مساهمتها في بناء مستقبل أكثر شمولًا وعدالة واستدامة.
إننا في المملكة نعيش مرحلة استثنائية من التحول والتنمية، وما تحقق للأشخاص ذوي الإعاقة خلال السنوات الماضية يدعو للفخر والتفاؤل، لكن الطموح أكبر، والمسؤولية مشتركة، والدور المنتظر من جميع القطاعات ما زال كبيرًا. فالتمكين الحقيقي لا يتحقق بالقرارات وحدها، بل بالشراكات الفاعلة، وبإيمان المجتمع بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، وبمنحهم الفرصة الكاملة ليكونوا شركاء في التنمية لا متلقين لها فقط.
وفي الختام، أؤمن دائمًا أن المجتمعات تُقاس بقدرتها على تمكين جميع أفرادها، وأن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا جزءًا من التنمية فحسب، بل هم شركاء أساسيون في صناعتها، ومتى ما وجدوا الفرصة العادلة والبيئة الممكنة، فإنهم قادرون على تحقيق أثر يتجاوز كل التوقعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى