مقالات و رأي

الوجوه التي تسكن القلب… لا يغتالها الغياب

بقلم الكاتبة / د. وسيلة محمود الحلبي*

ليست كل الوجوه التي تمر في حياتنا تستحق أن نتذكرها، فبعضها يمر كغيمة عابرة لا تترك أثراً، بينما هناك وجوه أخرى تترك بصمتها في أعماقنا إلى الأبد، حتى تصبح جزءاً من ذاكرتنا وهويتنا وتفاصيل أرواحنا.
ثمة أشخاص لا يرحلون حين يغادرون المكان، ولا يختفون حين تنقطع الأخبار عنهم، لأنهم ببساطة استقروا في القلب قبل أن يكونوا بيننا. هؤلاء لا تستطيع السنوات أن تطفئ حضورهم، ولا تتمكن المسافات من محو ملامحهم، ولا ينجح الزمن في إبعادهم عن ذاكرتنا مهما طال الغياب.
كم من وجه غاب عن أعيننا سنوات طويلة، لكنه ما زال يعيش بين تفاصيل أيامنا! نستحضره فجأة في كلمة، أو موقف، أو ضحكة عابرة، أو مكان شهد أجمل الذكريات. فنشعر وكأنه ما زال بيننا، يحدثنا ويشاركنا اللحظة ذاتها.
بعض الأشخاص لا يتركون خلفهم ذكريات فقط، بل يتركون أثراً يشبه الضوء؛ يرافقنا كلما أظلمت الطرق، ويمنحنا دفئاً كلما اشتدت برودة الأيام. إنهم أولئك الذين منحونا شيئاً من أرواحهم، فأصبحوا جزءاً من أرواحنا دون أن نشعر.
والحقيقة التي نتعلمها مع العمر أن الحب الصادق لا تقاس قيمته بعدد اللقاءات، بل بعمق الأثر. فهناك من نراهم كل يوم ولا يتركون فينا شيئاً، وهناك من غابوا أعواماً وما زالت قلوبنا تبتسم كلما مر اسمهم في الذاكرة.
إن أكثر ما يؤلم في الغياب ليس الرحيل نفسه، بل الفراغ الذي يتركه أصحاب القلوب الجميلة خلفهم. ذلك الفراغ الذي لا يملأه أحد، لأن الأشخاص الاستثنائيين لا يمكن استنساخهم، ولا تعوضهم الأيام مهما قدمت لنا من وجوه جديدة.
ولهذا فإن الذين أحببناهم بصدق لا يختفون أبداً. قد تغلق الحياة بيننا الأبواب، وقد تفرقنا الظروف والاتجاهات، لكنهم يظلون حاضرين في الدعوات الصادقة، وفي الأمنيات الخفية، وفي تلك اللحظات التي يفيض فيها الحنين دون استئذان.
في نهاية المطاف، ندرك أن الغياب ليس هو البعد الحقيقي، وأن الحضور ليس مجرد لقاء. فكم من غائب يسكن القلب أكثر من الحاضرين، وكم من وجه لم نره منذ سنوات لكنه ما زال يضيء زوايا الروح كلما مر طيفه في الذاكرة.
فالوجوه التي أحببناها بصدق لا تشيخ في قلوبنا، ولا يبهت نورها، ولا تنطفئ ملامحها.
إنها لا تسكن بالقرب منا…
بل تسكن فينا.

*كاتبة ومستشار إعلامي
عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى