مقالات و رأي

المنتخب السعودي… مشروع وطن لا فريق كرة قددم

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى
مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
بعد مقالتي السابقة عن هيكلة الاتحادات الرياضية، طلب مني أحد الأصدقاء أن أكتب عن منتخبنا الوطني السعودي. ورغم كثرة ما يُكتب عنه، فإنني أود أن أتناوله من زاوية مختلفة، تنطلق من منظور التخطيط الاستراتيجي، باعتباره مشروعاً وطنياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر إذ لم يعد تطوير المنتخبات الوطنية في كرة القدم خياراً يرتبط بتغيير مدرب أو استقدام مجموعة من اللاعبين المميزين، بل أصبح مشروعاً استراتيجياً متكاملاً يقوم على التخطيط طويل المدى، والاستثمار في الإنسان، وبناء منظومة مؤسسية قادرة على صناعة الإنجاز الرياضي واستدامته. ومن هذا المنطلق، فإن المنتخب السعودي يمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة تواكب ما تشهده المملكة من تطور رياضي غير مسبوق، وذلك من خلال تبني مشروع وطني متكامل يهدف إلى صناعة منتخب قادر على المنافسة أمام كبار منتخبات العالم.

إن أولى خطوات هذا المشروع تتمثل في بناء منظومة إدارية مستقرة تعتمد على الحوكمة والاحترافية بعيداً عن القرارات الانفعالية وردود الأفعال المرتبطة بنتائج المباريات. فالاستقرار الفني والإداري يمثل حجر الأساس لأي مشروع ناجح، ويجب أن تصاحبه رؤية واضحة وهوية فنية موحدة تمتد من المنتخبات السنية إلى المنتخب الأول، بحيث تتكامل مراحل إعداد اللاعب وفق منهج فني موحد.

كما أن نجاح أي مشروع رياضي لا يكتمل دون الاستثمار في العلوم الرياضية الحديثة، من خلال توظيف تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والطب الرياضي، والإعداد البدني والنفسي، وإدارة الأحمال التدريبية، بما يضمن تطوير الأداء والحد من الإصابات ورفع جاهزية اللاعبين طوال الموسم.

وفي الجانب الفني، لا بد من توفير برنامج تنافسي عالي المستوى يعتمد على مواجهة أقوى المنتخبات العالمية بصورة منتظمة، مع تشجيع احتراف اللاعبين السعوديين في الدوريات الأوروبية والعالمية التنافسية، لأن الاحتكاك المستمر بمدارس كروية مختلفة يسهم في رفع المستوى الفني والذهني، ويعزز قدرة اللاعب على التعامل مع الضغوط والمنافسات الكبرى.

ومن الجوانب التي تستحق إعادة النظر ضمن المنظومة الاحترافية، آلية التعاقدات والرواتب في الاحتراف الداخلي. فالمبالغ الكبيرة، التي قد تتجاوز في بعض الحالات القيمة الفنية أو المرحلة التطورية للاعب، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من أبرزها تراجع دافعية بعض اللاعبين لخوض تجربة الاحتراف الخارجي، حيث يفضل اللاعب البقاء في بيئة توفر له عائداً مالياً مرتفعاً دون خوض تحديات تنافسية أكبر.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة تقييم هيكلة العقود والمزايا المالية بما يحقق التوازن بين حفظ حقوق اللاعب وتحفيزه على التطور، مع تصميم حوافز تشجع الاحتراف الخارجي بوصفه استثماراً وطنياً في تطوير اللاعب ورفع مستوى المنتخب، وليس مجرد قرار مهني فردي.

ومن أهم عناصر النجاح كذلك اعتماد مبدأ الجدارة في اختيار اللاعبين، بحيث يكون الأداء والانضباط والجاهزية الفنية هي المعايير الوحيدة للانضمام إلى المنتخب، بما يخلق بيئة تنافسية عادلة تحفز الجميع على التطور والعطاء.

وفي تقديري، فإن أحد أهم عناصر القوة التي ينبغي استثمارها يتمثل في أبناء الوطن من أصحاب الخبرة والكفاءة. فالمملكة تزخر بكفاءات وطنية متميزة في مجالات التدريب، والإدارة الرياضية، والتخطيط الاستراتيجي، والعلوم الرياضية، وتحليل الأداء، وقد أثبت كثير منهم نجاحه في مؤسسات محلية ودولية. ومن ثم، فإن إشراك هذه الكفاءات في صناعة القرار الرياضي، إلى جانب الاستفادة من الخبرات العالمية، سيحقق التوازن المطلوب بين المعرفة المحلية وأفضل الممارسات الدولية، كما يسهم في بناء خبرات وطنية مستمرة ومستدامة بدلاً من الاعتماد الدائم على الحلول الخارجية.

إن الوصول إلى منتخب ينافس عالمياً ليس هدفاً مستحيلاً، بل هو نتيجة طبيعية لتخطيط علمي، واستقرار مؤسسي، واستثمار صحيح في الموارد البشرية. وما تمتلكه المملكة اليوم من إمكانات مالية، وبنية تحتية متطورة، ودعم قيادي، وشغف جماهيري، يمثل قاعدة صلبة لهذا التحول. ويبقى العنصر الحاسم هو وجود مشروع وطني واضح، تقوده الكفاءات، وتدعمه المؤسسات، ويؤمن بأن صناعة الإنجاز تبدأ بالتخطيط، وتستمر بالاستقرار، وتكتمل بالاستثمار في الإنسان السعودي، الذي أثبت في مختلف المجالات أنه قادر على تحقيق الريادة متى ما أُتيحت له الفرصة ومُنح الثقة.

وفي ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من الرياضة أحد محركات التنمية وجودة الحياة وتعزيز المكانة الدولية للمملكة، فإن بناء منتخب وطني قادر على المنافسة العالمية يمثل جزءاً من مشروع وطني أشمل، يتجاوز حدود النتائج الآنية إلى ترسيخ ثقافة الإنجاز المؤسسي والاستدامة. وعندما تتكامل الرؤية الاستراتيجية مع الكفاءات الوطنية، والاستثمار في المواهب، والاحترافية في الإدارة، يصبح تحقيق الإنجازات القارية والعالمية هدفاً واقعياً يمكن الوصول إليه. فالمنتخبات العظيمة لا تُصنع بالصدفة، وإنما تُبنى برؤية واضحة، وتُدار بكفاءات مؤهلة، وتُقاس نتائجها بمنهجية علمية، حتى يصبح الإنجاز ثقافة راسخة لا استثناءً عابراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى