ليس كلُّ من أحبَّ… وصل

جازان _ بدريه مجممي
ثمة حقيقةٌ لا تُكتب في رسائل العشاق، ولا تُروى في نهايات الروايات؛ وهي أن الحب ليس دائمًا طريقًا إلى اللقاء، بل قد يكون مدرسةً يتعلم فيها القلب كيف ينضج، وكيف يبتسم رغم الخسارات.
فليس كل من أحب نال، وليس كل من انتظر وصل، وليس كل من بكى كان ضعيفًا. فبعض القلوب خُلقت لتمنح أكثر مما تأخذ، ولتضيء دروب الآخرين، ثم تمضي وفيها من الصبر ما يعجز عنه الكلام.
إن الحب لا يُقاس بمن بقي إلى جوارك، بل بما أحدثه في روحك. فإن جعلك أكثر وفاءً، وأكثر رحمةً، وأشد احترامًا لمشاعر الناس، فقد ربح قلبك وإن خسرت الحكاية. أما إذا أورثك قسوةً وكراهيةً، فذلك لم يكن حبًا، وإنما تعلقًا عابرًا تنكر في ثوب العاطفة.
كم من قلبٍ افترق عن قلبٍ آخر، لكن الدعاء ظل يجمعهما كل ليلة. وكم من روحٍ غابت عن العين، لكنها بقيت حاضرةً في تفاصيل الأيام، لا تُزاحمها الأيام ولا يطويها النسيان. فالمحبة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج البقاء؛ يكفيها أن تترك أثرًا كريمًا في النفس.
إن أجمل ما في الحب أنه يختبر معادن البشر. فمنهم من ينسحب عند أول عثرة، ومنهم من يزداد وفاءً كلما اشتدت الرياح. وبين هذين الصنفين تُكتب أعمارٌ كاملة، وتُحفظ أسماءٌ في القلوب، وتُنسى أسماءٌ أخرى رغم قربها.
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان أن يرى المحبة تتحول إلى حسابات، والوفاء إلى مصلحة، والصدق إلى وسيلة. عندها يدرك أن ندرة الحب ليست في قلة المحبين، بل في قلة الصادقين.
فإذا مر الحب في حياتك، فلا تسأل: هل انتهى؟ بل اسأل: ماذا علمني؟ فإن كان قد زادك خلقًا، وحكمةً، وصفاءً، فاشكر الله عليه، ولو لم يكتمل. فبعض القصص لا خُلقت لتدوم، وإنما خُلقت لتوقظ فينا إنسانًا أجمل.
فالقلوب الراقية لا تنتقم ممن غادرها، ولا تسيء إلى من خذلها، لأنها تؤمن أن الكرامة أجمل خاتمة، وأن الدعاء أرقى من العتاب، وأن الزمن كفيل بأن يضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه.
وهكذا يبقى الحب الحقيقي قيمةً تُهذب الأرواح، لا صفقةً تُقاس بالمكاسب، ويبقى الإنسان النبيل هو الذي يغادر الحكاية بقلبٍ نظيف، حتى وإن حمل في داخله وجعًا لا يراه أحد.



