“لغة لا تعرف الكذب وحديث لا يحتاج إلى حروف”

بقلم : أ. عبد الله شراحيلي
عندما تتكلم العيون ليست كل الأحاديث تُقال، ولا كل المشاعر تُكتب، فهناك لغةٌ أقدم من الحروف، وأصدق من الكلمات، وأعمق من كل خطب البلغاء… إنها لغة العيون.
حين تتكلم العيون، يصمت اللسان احترامًا، لأن ما يخرج من القلب يصل إليها بلا ترجمان، فتقرأ ما أخفته الصدور، وتكشف ما عجزت الشفاه عن البوح به. ففي نظرةٍ واحدة قد تجد وعدًا، واعتذارًا، واشتياقًا، وحنينًا، وربما وداعًا لا تملك الكلمات أن تؤديه.
العين مرآة الروح، فإذا امتلأت الروح صفاءً أشرقت بالنور، وإذا أثقله الحزن سالت منها دموعٌ لا تستأذن أحدًا. ولهذا قيل قديمًا: إن العيون تفضح أصحابها، فما استطاع قلبٌ أن يخفي صدقه إلا وأظهرته عيناه، ولا تمكن كاذبٌ من إخفاء زيفه طويلًا، فالعين تعرف الطريق إلى الحقيقة.
كم من ابتسامةٍ خدعت الناس، بينما كانت العين تستغيث! وكم من صمتٍ ظنه الآخرون كبرياء، وكانت العين تقول: “اقتربوا… ففي القلب كلامٌ كثير.” إن العيون لا تجيد التمثيل طويلًا، لأنها تتحدث بلغة الفطرة، ولأنها تنقل نبض القلب كما هو، دون رتوش أو أقنعة.
وفي الحب، تكون العيون أول من يعترف، وآخر من ينسى. تلتقي قبل الأيدي، وتتحدث قبل اللقاء، وتبقى شاهدةً بعد الفراق. ولعل أجمل الحب ما فهمته العيون دون أن تنطقه الشفاه، لأن الصدق إذا سكن النظرات، أغنى عن ألف رسالة.
وفي ميادين الحياة، ليست العيون نافذةً للمشاعر فحسب، بل هي ميزانٌ للأخلاق أيضًا. فمن اعتاد أن ينظر إلى الناس بعين الرحمة، عاش كريم القلب، ومن ملأ عينيه بالحسد، أرهق نفسه قبل أن يؤذي غيره. لذلك كان جمال العين في نظرتها، لا في لونها، وكان نورها فيما تحمله من صدقٍ ومحبة، لا فيما تراه من مظاهر الدنيا.
فلنتعلم أن نحسن النظر قبل أن نحسن الكلام، وأن نملأ أعيننا بالخير، فإن القلوب تقرأ العيون قبل أن تسمع الأصوات. وما أجمل الإنسان حين تصبح عيناه موطنًا للأمان، ورسالةً للطمأنينة، ومرفأً لكل قلبٍ أنهكته الحياة.
عندما تتكلم العيون… لا يكون الحديث بين عينٍ وعين، بل بين روحٍ وروح، وبين قلبٍ وقلب، وهناك فقط يولد الصدق في أنقى صوره، وتصبح المشاعر أبلغ من كل لغات الأرض.



