الزي والهوية الوطنية

عدنان العمري
لم يكن الزي في أي مرحلة من مراحل التاريخ مجرد وسيلة لستر الجسد أو للحماية من الحر والبرد، بل كان في كثير من الأحيان لغةً صامتة تحمل رسائل سياسية ودينية واجتماعية، وتعلن الانتماء أو الرفض، والولاء أو التمرد.
فالإنسان قد يختار لباسه بدافع العادة أو البيئة، لكن الدول والجماعات المنظمة كثيرًا ما تتعمد توظيفه ليصبح رمزًا لهوية مخصوصة، وشعارًا يميز أتباعها عن غيرهم.
ولذلك أدركت الأنظمة السياسية منذ وقت مبكر أن تغيير اللباس ليس تغييرًا في المظهر فحسب، بل هو تغيير في الوعي والهوية.
ومن أشهر الأمثلة ما جرى في تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية، حين جعلت حكومة مصطفى كمال أتاتورك القبعة الغربية رمزًا للدولة الحديثة، ومنعت الطربوش وغيره من الأزياء العثمانية التقليدية، في محاولة لقطع الصلة بالموروث العثماني وإعلان الانتماء إلى النموذج الأوروبي.
وفي المقابل تحولت الكوفية الفلسطينية من غطاء رأس يرتديه الفلاحون إلى رمز عالمي للمقاومة والهوية الوطنية، كما أصبحت النقوش التقليدية للتنانير الاسكتلندية تعبيرًا عن الخصوصية القومية والاعتزاز بالهوية الاسكتلندية.
وفي التاريخ الإسلامي لم يكن الأمر مختلفًا فقد ارتبطت الدول والاتجاهات السياسية والدينية بألوان وأزياء خاصة، فرفع الأمويون اللون الأبيض شعارًا لهم، بينما اتخذ العباسيون السواد رايةً ورمزًا لدولتهم. ولم يقتصر الأمر على ألوان الرايات، بل امتد إلى هيئة العمامة، وطريقة لبس العباءة، وهيئة اللحية، وطول الثوب، حتى أصبح المظهر الخارجي في كثير من الأحيان بطاقة تعريف تكشف الانتماء الفكري أو السياسي قبل أن ينطق صاحبها بكلمة واحدة.
فاللباس هنا لم يعد شأنًا شخصيًا، وإنما تحول إلى رمز جمعي يحمل دلالات تتجاوز وظيفته الأصلية.
ولهذا السبب تحرص الحركات الأيديولوجية والانفصالية على صناعة مظهر خاص بأتباعها، لأن تكوين الهوية يبدأ غالبًا بالرموز المرئية قبل أن يترسخ في الأفكار.
فالإنسان يرى قبل أن يسمع، ولذلك يعد الزي من أسرع الوسائل لترسيخ الشعور بالانتماء وإيجاد الفاصل النفسي بين الجماعة والمجتمع.
وعندما تنجح جماعة ما في فرض زي يميز أفرادها، فإنها تكون قد خطت خطوة مهمة نحو بناء هوية موازية للهوية الوطنية، وهو ما يفسر حرص كثير من الحركات السياسية والدينية على توحيد مظهر أتباعها.
ومن هنا تكمن خطورة الحركات الانفصالية فهي لا تكتفي بالاعتراض على السلطة أو المطالبة بحقوق سياسية، وإنما تعمل على إعادة تشكيل هوية أتباعها، وإضعاف شعورهم بالانتماء إلى الدولة الجامعة.
ويأتي الزي في مقدمة الأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، لأنه أكثر الرموز حضورًا في الحياة اليومية، وأسهلها انتشارًا وتأثيرًا.
ولهذا نجد أن الدول المستقرة تحرص على أن تبقى الأزياء المحلية المتنوعة جزءًا من المكون الوطني العام، تعبر عن التنوع الثقافي والجغرافي دون أن تتحول إلى شعارات سياسية أو هويات متقابلة.
إن الزي واللغة من أهم أعمدة الهوية الوطنية، وكلما استُخدما للتعبير عن الانتماء إلى الوطن كانا عاملًا من عوامل الوحدة والتماسك، أما إذا جرى توظيفهما لإيجاد ولاءات موازية أو هويات منفصلة، فإنهما يتحولان من مظهر ثقافي بريء إلى أداة سياسية قد تُستخدم لتغذية الانقسام وإضعاف وحدة المجتمع والدولة.



