مقالات و رأي

معبرو الرؤى بين الاتزان الشرعي وهوس الانتشار

 كاتب العنزي : باحث دكتوراه
متى أصبحت الرؤيا التي يرويها الإنسان في لحظة قلق أو رجاء مادة علنية يتابعها الآلاف، ويتداولون تفاصيلها، وربما تُبنى عليها أحكامٌ عن صاحبها وأسرته؟
ولا يبدو هذا السؤال بعيداً عن واقع نعيشه اليوم، مع تزايد حضور معبّري الرؤى في القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل، حتى أصبح التعبير عند بعض المتصدرين مادة يومية تحكمها سرعة البث، وأرقام المشاهدات، والرغبة في الانتشار.
لا يمكن إنكار أن في هذا المجال معبّرين عُرفوا بالعلم والتثبت وحسن النصح وحفظ أسرار الناس، ويؤدون دوراً اجتماعياً يخفف القلق ويقدم التوجيه المتزن. لكن المشكلة تبدأ عندما يدخل هذا المجال من لا يملك أدوات هذا العلم، فيفسر كل رمز بثقة، ويصدر أحكاماً قاطعة، وكأن تعبير الرؤيا حكم قطعي لا يحتمل الخطأ.

يعرض القرآن الكريم تعبير الرؤى في سورة يوسف بوصفه علماً ومنحة من الله، فقد قال يوسف عليه السلام: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. وفي موضع آخر أقر قوم الملك بحدود معرفتهم فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾. والاعتراف بحدود المعرفة خلق مهني لا يقل أهمية عن امتلاكها، لكنه يغيب عن بعض من يتصدرون اليوم.
والتسرع هنا ليس خطأ عابراً؛ لأن صاحب الرؤيا قد يكون في حالة نفسية حساسة، فيتعلق بتفسير يسمعه، أو يخاف من تأويل متشائم، أو يتخذ قراراً في زواج أو عمل أو علاقة أسرية بناء على هذا التأويل. وتزداد الخطورة عندما يقدم المعبّر كلامه بلهجة جازمة، أو يربط الرؤيا بمرض أو موت أو خيانة أو سحر من غير بينة.

ولا يقتصر هذا الأثر السلبي على صاحب الرؤيا وحده، بل يمتد إلى وعي آلاف المشاهدين والمستمعين خلف الشاشات؛ فإسقاط الرموز العامة على حالات خاصة، والربط العشوائي بين الأحلام والأمراض الروحية أو الخلافات الأسرية، قد يزرع شكوكاً هادمة في بيوت كانت آمنة، ويزعزع علاقات الناس بعضهم ببعض بما يثيره من ظنون ووساوس، ليتحول البث العلني من استشارة عابرة إلى مصدر للقلق والارتياب.

فتعبير الرؤى اجتهاد ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس كشفاً للغيب ولا معرفة مؤكدة بالمستقبل، قال تعالى: ﴿قُل لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ومن الخطأ أن يمنح الناس بعض المعبّرين سلطة على قراراتهم ومصائرهم لمجرد شهرتهم أو كثرة ظهورهم الإعلامي؛ فكثرة الجمهور لا تصنع عِلماً، وعدد المتابعين لا يمنح صاحبه أهلية شرعية أو معرفية.

ثم تأتي قضية التعبير العلني، فليس كل ما يراه الإنسان يروى للآخرين. فقد تتضمن الرؤيا تفاصيل زوجية، أو خلافات عائلية، أو أسراراً اجتماعية، وقد يكشف السؤال وما يتبعه من استفسارات أكثر مما يتوقعه صاحبه. وربما ينسى الرائي أنه يتحدث أمام الناس، فيبقى المقطع متداولاً بعد انتهاء البرنامج بسنوات.

وقد أرشد يعقوب عليه السلام ابنه يوسف بقوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وفي ذلك تنبيه واضح إلى أن نشر الرؤيا قد تترتب عليه آثار لا تحمد عقباها.

وجاءت السنة مؤكدة معنى الخصوصية وحسن الاختيار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح”، رواه الترمذي وصححه الألباني. وثبت في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليتعوذ بالله من شر ما رأى ومن الشيطان، ثم ينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره”.

وهذه التوجيهات تدعو إلى الستر والرفق وحسن التعامل مع ما يراه الإنسان في منامه، ولا تنسجم مع تحويل كل حلم مزعج إلى مداخلة هاتفية علنية، ثم تفكيكه أمام المشاهدين بحثاً عن الإثارة. فالمعبّر المتزن لا يتعجل التأويل، ويستوضح حال الرائي وظروفه عند الحاجة، ولا يجزم بما لا يعلم، ولا يفتح أبواب الخوف والوساوس، ولا يكشف ما ينبغي ستره. أما الباحث عن الانتشار فيختصر الطريق بتأويل مثير، وعنوان جذاب، ومقطع قابل للتداول، وقد تصبح شهرة المقطع أهم من طمأنينة صاحب الرؤيا وخصوصيته.
وتتحمل القنوات والمنصات جزءاً من المسؤولية؛ فليس من اللائق التعامل مع الرؤى بوصفها فقرة ترفيهية أو مادة لجذب المشاهدات. ومن واجبها التحقق من أهلية من تستضيفهم، ومنع الأسئلة التي تكشف الخصوصيات، وإتاحة التعبير الخاص في الحالات الحساسة، مع التنبيه إلى طبيعته الاجتهادية وحدود أثره، وعدم السماح باستغلال خوف الناس أو حاجتهم لتحقيق مكاسب مادية أو شهرة عابرة.

كما يحتاج المجتمع إلى وعي أكبر في التعامل مع هذا الباب، فلا تُبنى القرارات المصيرية على تعبير رؤيا، مهما بلغت شهرة المعبّر أو حضوره الإعلامي. فالزواج، والعمل، والعلاقات الأسرية، والظنون تجاه الآخرين، لا يجوز أن تصبح رهينة لتأويل عابر قد يصيب وقد يخطئ.

قد يكون تعبير الرؤى باباً للنصح والخدمة الاجتماعية حين يتولاه معبّر مؤهل ناصح ومتزن، لكنه يتحول إلى عبء عندما يصبح تجارة في القلق أو سلماً للشهرة. والمطلوب ليس إغلاق الباب، بل تنظيمه، وحماية الناس من المتصدرين بلا علم، وقصر التعبير العلني على ما لا يكشف سراً ولا يوقع ضرراً؛ فخصوصية الإنسان وطمأنينته أولى من أي مشاهدة أو انتشار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى