مقالات و رأي

السعودية لا تتحدث عن نفسها؟!

بقلم/ هيثم عبدالحميد

في عالم تتقاطع فيه المشاريع الجيوسياسية وتتصارع على النفوذ، يمكن تمييز نمطين من الدول: دول تمتلك مشروعاً وطنياً ذا أفق حضاري، وأخرى تُدار ضمن أدوار وظيفية تخدم توازنات خارجية. الفارق بين النموذجين لا يُقاس بحجم الاقتصاد أو عدد السكان، بل بطبيعة القرار السيادي، وعمق الرؤية الاستراتيجية، ومدى الاستقلال في تحديد الأولويات.
الدولة التي تتحرك وفق مشروع حضاري تنظر إلى نفسها بوصفها امتداداً لتاريخها، ومسؤولة عن مستقبل محيطها، بينما الدولة الوظيفية تكتفي بإدارة يومياتها ضمن هوامش مرسومة، وتعيد إنتاج تبعية مغلفة بشعارات السيادة.
في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج لدولة تدير مصالحها بمنطق يتجاوز حدودها الجغرافية. فهي تدرك أن أمنها القومي لا ينفصل عن استقرار الإقليم، وأن انهيار دول مثل سوريا أو العراق أو اليمن أو الصومال لا يشكل تهديداً عابراً، بل يمس توازنها الداخلي بشكل مباشر. من هنا، تتبنى الرياض مقاربة تقوم على دعم استقرار الدول، ومواجهة مشاريع التفكيك القائمة على الانقسامات الطائفية والعرقية.
هذا النهج لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى طبيعة العلاقات مع الحلفاء، حيث تُبنى الشراكات على أساس المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة، لا على توظيف الأطراف كأدوات ظرفية. الفارق هنا جوهري: بين دولة تزرع الانتماء وتعزز الاستقرار، وأخرى تعيد إنتاج الانقسام وتغذي هشاشة الكيانات.
التاريخ يقدم شواهد واضحة: الدول التي حملت مشروعاً يتجاوز حدودها تركت أثراً ممتداً، حتى مع اختلاف التقييمات السياسية لأدوارها، بينما الدول التي انخرطت في أدوار وظيفية غالباً ما انتهت إلى التفكك أو التحول إلى منصات خدمة للقوى الكبرى.
في الحالة السورية، ومع التحولات التي أعقبت ديسمبر 2024، برز الدور السعودي بشكل لافت. فقد تحولت المملكة إلى الداعم الاقتصادي والسياسي الأبرز للحكومة الانتقالية، عبر مسارات متعددة شملت دعم رفع العقوبات، وتسوية الالتزامات المالية لسوريا تجاه مؤسسات دولية، إلى جانب إطلاق حزم استثمارية كبيرة تجاوزت 6.4 مليار دولار في عام 2025، مع توسع إضافي في 2026.
كما امتد الدعم إلى الجوانب التشغيلية للدولة، من خلال المساهمة في دفع الرواتب، وتمويل مشاريع البنية التحتية وقطاع الطاقة، في محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومنع انزلاقها مجدداً إلى الفوضى. وتزامن ذلك مع تحولات دولية مهمة، أبرزها قرار الولايات المتحدة رفع العقوبات وإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، وهو ما يعكس تغيراً في البيئة السياسية المحيطة بالملف السوري.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة التحرك السعودي باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، وتقليص هامش النفوذ الخارجي الذي تشكل خلال سنوات الصراع، إلى جانب الحد من التهديدات العابرة للحدود، مثل شبكات تهريب المخدرات، التي تحولت إلى خطر أمني مباشر على المنطقة.
هنا السعودية! في هذا المشهد، لا تقدم المملكة نفسها عبر الخطاب، بل من خلال أفعال ومواقف. تبني الاستقرار حيث يتفكك، وتستثمر حيث تتراجع الدولة، وتتحرك ضمن رؤية تعتبر أن أمنها يبدأ من استقرار محيطها، لا من حدودها فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى