مقالات و رأي

إنما أنت أيام ..ما الذي يبقى بعد مرور السنين ؟

روافد .امل بازيد
يقول الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك.»

وما من عبارة تختصر حقيقة الحياة أبلغ من هذه الكلمات. فنحن نودّع الأيام تباعًا، ونستقبل أعوامًا جديدة، ونشيّع أخرى إلى سجل الذكريات، بينما تمضي أعمارنا بهدوء مع كل شروق شمس وغروبها. وما نظنه مرورًا للوقت ليس في حقيقته إلا رحلة العمر التي تمضي بنا نحو محطتها الأخيرة.

يشبه العمر كتابًا تُطوى صفحاته واحدةً تلو الأخرى، ولا يملك أحدٌ منا العودة إليها ليعيشها من جديد. فكل يوم يمضي يصبح سطرًا في قصة حياتنا، وكل تجربة تترك أثرها بين صفحاتها، وكل قرار نخطه اليوم قد يتحول غدًا إلى ذكرى أو درس أو إنجاز. ولسنا مسؤولين عن عدد الصفحات التي كُتبت لنا، بقدر مسؤوليتنا عما نملؤها به من معنى وخير وأثر.

تمضي السنوات سريعًا، لكن الذي يبقى منها ليس عددها، بل ما تركته في النفوس من أثر، وما أضافته إلى الأرواح من نضج وفهم، وما غرسَته في القلوب من معانٍ لا تُقاس بالأرقام. فكم من إنسان عاش عمرًا طويلًا دون أن يترك أثرًا يُذكر، وكم من آخر بارك الله في أيامه فخلّد ذكره بما قدّم من خير وعطاء.

وفي رحلة العمر تتباين الطرق والمصائر؛ فهناك من صقلته التجارب فازداد حكمة واتزانًا، وهناك من فتحت له المحن أبوابًا من الوعي لم يكن ليراها في أوقات الرخاء. وقلوب ارتقت بالقرب من الله فوجدت السكينة وسط ضجيج الحياة، وعقول اتسعت بالعلم والخبرة فأصبحت أكثر بصيرة في فهم الناس والأحداث.

وحولنا تتجلى حقيقة الحياة في كل يوم؛ مواليد يملؤون البيوت فرحًا، وراحلون يتركون خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء، ولقاءات تُنعش الأرواح، ووداعات تذكرنا بأن الدنيا دار عبور لا دار بقاء. ومع كل مشهد من هذه المشاهد تتجدد أمامنا حقيقة ثابتة؛ أن العمر يمضي، وأن ما نملكه حقًا هو ما نصنعه في أيامنا من خير وأثر ومعنى.

وحين يستقر هذا المعنى في القلب، تتغير نظرتنا إلى النجاح والخسارة، وإلى الربح والفقد. فلا يعود النجاح مقصورًا على ما نملك من مال أو مكانة، ولا تُقاس قيمة الحياة بطولها، بل بما نزرعه فيها من خير، وما نحمله معنا من قيم ومبادئ وأعمال صالحة.

ولأن العمر هو رأس مال الإنسان الحقيقي، فإن كل يوم يمضي يحمل معه جزءًا لا يمكن استعادته. وليست قيمة العمر فيما مضى منه، بل فيما صُنِع فيه من خير، وما تُرك بعده من أثر. فالأيام تمضي على الجميع بالوتيرة نفسها، لكن الفرق الحقيقي يكمن في كيفية استثمارها، وفي المعاني التي نملأ بها صفحات حياتنا.

ولعل من رحمة الله بنا أن الحياة لا تمنحنا دروسها دفعة واحدة، بل تكشفها لنا مع مرور الوقت. فبعض العثرات جاءت لتعلّمنا، وبعض الخسائر أعادت ترتيب أولوياتنا، وبعض الأبواب التي أُغلقت كانت حمايةً لنا قبل أن تكون حرمانًا. وما بدا في لحظةٍ ما نهايةً موجعة، قد يكون بدايةً لمرحلة أكثر نضجًا وطمأنينة.

إن النضج الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما تصنعه السنوات في داخل الإنسان. فهناك من يتقدم به العمر وتبقى نظرته للحياة محدودة، وهناك من تمنحه التجارب بصيرة تجعله يرى ما وراء الأحداث، فيتعلم أن يخفف تعلّقه بما يفنى، ويزيد تمسكه بما يبقى.

ومن الحكمة أن يقف الإنسان بين الحين والآخر مع نفسه وقفة صدق، يراجع فيها مسيرته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويُصلح ما استطاع إصلاحه. لا ليعيش أسيرًا للماضي، بل ليجعل منه درسًا ينير له الطريق فيما بقي من العمر. فالماضي مدرسة نتعلم منها، لا مكانًا نقيم فيه.

وفي نهاية المطاف، لا يُقاس العمر بعدد السنوات التي نعبرها، بل بما نتركه خلالها من أثر. فكم من أعوام طويلة مضت دون أن تُغيّر شيئًا، وكم من أيام قليلة صنعت فرقًا امتد أثره لسنوات. فالعمر الحقيقي ليس فيما نعيشه لأنفسنا فحسب، بل فيما نغرسه من خير، ونمنحه من عطاء، ونتركه من ذكرٍ حسن يبقى بعد الرحيل.

وما أجمل أن يدرك الإنسان أن الفرصة ما زالت قائمة ما دام في العمر بقية. فلا ينتظر بداية عام جديد، ولا مناسبة استثنائية ليبدأ التغيير. فكل يوم يشرق عليه هو فرصة جديدة للمراجعة والإصلاح والنمو، وخطوة أخرى نحو حياة أكثر معنى وطمأنينة.

همسة أمل:

لا تحزن على ما مضى من عمرك ما دمت قد تعلمت منه، ولا تنشغل كثيرًا بما بقي قبل أن يأتي أوانه. عش يومك بقلب ممتن، واعمل لغدك بأمل، وثق أن الله قادر أن يجعل القادم أجمل مما تتصور. فربما كانت أجمل أيام حياتك، وأعظم إنجازاتك، وأقرب لحظاتك إلى الله، لا تزال تنتظرك في الصفحات التي لم تُكتب بعد.

نسأل الله أن يبارك لنا في أعمارنا، وأن يجعل أيامنا عامرةً بالخير والطاعة، وأن يرزقنا حسن الأثر في الحياة، وحسن الختام ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى