الصدى الأدبي

العـتب: حَنِينٌ أنيــق

✍🏻 مـنيـرا الـعتيبي – كاتبة سعودية

توهّمت الأدبيات العاطفية دهراً أن العتاب برهانُ عافيةٍ ومتانة في العلاقات.
والحقيقة الأعمق أنه ليس دليلاً على القوة… بل هو الاستغاثة الأخيرة للأمل قبل أن يطغى الصمت.
العلاقات القوية حقاً تعبر عن نفسها بالانسجام التلقائي والفهم الخاطف، بينما يتدخل العتاب حين تهتز الأرض تحت الأقدام، فيقف المرء محاولاً ترميم المسافة، بلومٍ متزن يرتدي ثوباً من الرعشة الخفية، ويخفي تحته حرصاً صادقاً على ألا تنقطع خيوط القرب، كالنسيم الذي يستحث أوراق الشجر دون أن يقتلعها.

ينبع هذا المفهوم في العربية من جذرٍ يتضمن اللوم اللطيف المحمل بالمودة؛ فهو لا يبتغي الإيذاء أو التحقير، بل يستهدف التصحيح والإصلاح من موضع القرب. وفي البعد النفسي، لا يتجلى العتاب في أوقات الطمأنينة، بل حين يختلط الحب بالخوف؛ خوف الفقد أو التراجع في مكانة الذات عند الآخر. إنه توتر راقٍ، ومحاولة شجاعة للترميم قبل فوات الأوان، يختلف تماماً عن الغضب الذي يحرق الجسور؛ فالعتاب هو الرهان الأخير على إمكانية الفهم.

ولم يكن العتاب في تاريخنا الأدبي إلا ترجمة لهذا الأمل الوجداني؛ فقد اختصره أبو نواس حين قال: «على قدر الهوى يأتي العتاب».
غير أن الصورة الأنصع للعتاب الفاخر تجلت عند المتنبي وهو يقف أمام سيف الدولة، ملوحاً بخيبة الصديق الذي ما زال يرجو رجوع ودّ صديقه:
«واحرَّ قلباهُ ممّن قلبُهُ شَبِمُ…
ومن بجسمي وحالي عنده سَقَمُ».
هنا يتحول العتاب إلى موقف نبلٍ عالي النبرة، يصرخ فيه الكبرياء الأدبي موجهاً رسالة ضمنية مفادها: «ما كان لي أن أعاتب، لولا أنني ما زلتُ أرى فيك موضعاً للود وثقة البقاء».

غير أن هذا الأمل الأنيق يمتلك خطاً فاصلاً دقيقاً؛ فحين يُفرط فيه المرء، أو يُمارس أداةً للسيطرة والابتزاز العاطفي، يخلع قناعه اللطيف ليكشف عن نصلٍ بارد يجهد العلاقات ويثقل الخاطر. العتاب المتكرر الذي لا يُقابل بإصغاءٍ حقيقي يتحول من محاولة ترميم إلى «إنهاكٍ صامت»، يقتل الأمل تدريجياً، حتى يتساوى في النهاية القول والصمت.

واليوم، في عصر السرعة والتواصل الرقمي خاطف الأنفاس، اختُزلت هذه التلوينات الوجدانية المعقدة في رمزٍ تعبيري، أو جملةٍ مقتضبة تُلقى خلف الشاشات. لقد فقد العتاب نبرته البشرية الدافئة، وتوارى في كثير من الأحيان خلف جفاف الحظر الإلكتروني أو الصمت الانتقامي.
إن العودة إلى العتاب الأصيل هي، في جوهرها، استعادة لممارسة الاتصال الإنساني العميق؛ ممارسة تعيد للأمل قوته عبر حضور الصوت والعين، لتتحول الكلمات إلى جسر يعبر بالعلاقة نحو منطقة أعمق من الفهم المتبادل.

يبقى العتاب، في نصابه المتزن، ضيفاً نبيلاً يقرع باب الروح؛ ليعلن أن الشعلة لم تنطفئ بعد، وأن العلاقة ما زالت تنبض بالحياة. إنه شهادةُ جدارةٍ يمنحها القلب لمن يراه أهلًا للبقاء، وهمسةٌ هادئة تقول: «ما زلتُ أهتم، ولهذا أعاتب».

ولعل أخطر ما يهدد العلاقات ليس أن يكثر فيها العتاب، بل أن يغيب عنها تماماً؛ فحين يعجز الإنسان عن العتاب، أو يختار الصمت بدلًا من المواجهة، فغالباً لا يكون قد استعاد استقراره، بل يكون الأمل قد انطفأ لديه وبدأ يتصالح مع فكرة الرحيل. عندها لا يعود الصمت حكمة، بل يصبح إعلاناً خفياً بأن القلب كفَّ عن المطالبة بما كان يوماً يعنيه.

فالعتاب ليس دليل قوة، بل آخر لغات الأمل الحية. وإذا انطفأ، لم يبقَ في كثير من الأحيان إلا هدوءٌ يشبه نهاية الحديث… لا نهايته فحسب، بل نهاية الرغبة في استئنافه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى