مقالات و رأي

أين يتسرّب رصيدنا النفسي؟

الكاتبة /أمل بازيد
كاتبة واعلاميةولايف كوتش ماجستير إرشاد نفسي

تمرّ بنا أحيانًا مشاعر لا نجد لها تفسيرًا واضحًا؛ ضيقٌ يثقل الصدر، فتورٌ تجاه أشياء كانت تسعدنا، أو رغبة في الابتعاد عن كل شيء. وقد تصبح التفاصيل الصغيرة أكثر إزعاجًا، والمواقف العابرة أثقل مما تحتمل، فنقف أمام أنفسنا ونسأل: ما الذي يحدث لنا؟

ربما لم يحدث شيء كبير في تلك اللحظة، لكن أشياء كثيرة حدثت قبلها… وتراكمت بصمت.

فالإنسان لا يعيش بطاقة لا تنفد، بل يحمل في داخله رصيدًا نفسيًا يزداد بما يمنحه الطمأنينة والحب والتقدير والراحة، وينقص مع الضغوط والخيبات وكثرة المسؤوليات والعطاء المستمر. والمفارقة أننا ننتبه إلى أرصدتنا المادية حين تنقص، بينما قد ننفق من رصيدنا النفسي طويلًا دون أن نسأل: كم بقي منه؟

ولعل أقرب صورة لفهم ذلك أن نتخيّل داخل كل منا مجموعة من الخزانات النفسية؛ لا نراها، لكننا نشعر بنتائج امتلائها وفراغها.

هناك خزان الأمان؛ ذلك الشعور بأن لنا أرضًا ثابتة نقف عليها، وأن الحياة رغم تقلباتها لا تضعنا في حالة دائمة من الخوف والترقب. وحين يتراجع هذا الأمان، قد يتحول أبسط مجهول إلى مصدر قلق.

وبجواره خزان التقدير؛ حاجتنا إلى الشعور بقيمتنا، وأن ما نبذله وننجزه لا يمر وكأنه أمر عابر. غير أن أخطر أشكال فراغ هذا الخزان أن ننتظر من الآخرين أن يمنحونا القيمة التي لم نعد نمنحها لأنفسنا.

ثم يأتي خزان الحب والانتماء. وليس المقصود به كثرة الأشخاص في حياتنا؛ فكم من إنسان تحيط به الوجوه ويشعر بالوحدة. ما يملأ هذا الخزان هو القرب الحقيقي الذي يجعلنا نشعر بأننا مفهومون ومقبولون، وأن لوجودنا مكانًا في حياة أحد.

وهذا يلتقي مع ما طرحه عالم النفس أبراهام ماسلو حين جعل الأمان والحب والانتماء والتقدير ضمن الحاجات الإنسانية المهمة؛ فشعور الإنسان بأنه ينتمي ويُقدَّر ليس ترفًا عاطفيًا، بل جانب أصيل من احتياجاته الإنسانية.

أما خزان الراحة، فكثيرًا ما يكون أول ما نضحّي به وآخر ما ننتبه إليه. نركض خلف مسؤولياتنا، ننجز ونعتني ونمنح ونؤجل أنفسنا، حتى تصبح الراحة مكافأة ننتظرها بعد الانتهاء من كل شيء، مع أن «كل شيء» لا ينتهي.

وحين يفرغ هذا الخزان، قد لا نكون بحاجة إلى مزيد من القوة… بل إلى مساحة نستعيد فيها ما استهلكناه منها.

وهناك خزان النمو والتطور؛ حاجتنا إلى أن نشعر بأننا لا نقف في المكان نفسه. فحين نتعلم، ونكتشف قدرات جديدة، ونقترب من أهدافنا، نشعر بأن للحياة حركة ومعنى. أما حين تتشابه الأيام طويلًا ونفقد الإحساس بالتقدم، فقد يتسلل إلينا فراغ لا نعرف له اسمًا.

لكن ماذا عن كل تلك الكلمات التي لم نقلها؟

هنا يظهر خزان التواصل والتعبير. فبعض الصمت حكمة، لكن الصمت الدائم عن احتياجاتنا ومشاعرنا ليس دائمًا قوة. نحن بحاجة إلى مساحة آمنة نستطيع فيها أن نقول: أنا متعب، هذا يؤلمني، هذا يسعدني، وهذا ما أريده. فالمشاعر التي لا تجد منفذًا لا تختفي بالضرورة؛ قد تتراكم حتى يصبح حملها أثقل من التعبير عنها.

وفي المقابل، نحتاج إلى خزان الاستقلال؛ مساحة نحافظ فيها على صوتنا واختياراتنا وحدودنا. فالانتماء إلى الآخرين لا يعني الذوبان فيهم، والحب الصحي لا يطلب من الإنسان أن يفقد ذاته حتى يحافظ على علاقاته.

وهذا المعنى تؤيده نظرية تقرير المصير لعالِمَي النفس إدوارد ديسي وريتشارد رايان، التي تركز على ثلاث حاجات نفسية أساسية: الاستقلال، والكفاءة، والترابط مع الآخرين، وترى أن إشباعها يدعم الدافعية والنمو والرفاه النفسي.

ويبقى خزان قد يبدو بسيطًا، لكنه يمنح الحياة كثيرًا من ألوانها: خزان المتعة. أن نضحك، نسافر، نقرأ، نلتقي بمن نحب، نمارس هواية، أو نصنع لحظة جميلة لا نبحث خلفها عن إنجاز. فليست كل لحظة في الحياة مطالبة بأن تكون منتجة؛ بعض اللحظات يكفي أنها أعادت إلينا شيئًا من أنفسنا.

واللافت أن الإنسان قد يكون ممتلئًا في خزان، ومستنزفًا في آخر.

قد يحقق نجاحات متتالية بينما يظل خزان الحب والانتماء فارغًا، وقد يكون محبوبًا ومحاطًا بمن يحب لكنه منهك لأن خزان الراحة استُنزف. وقد يمتلك الأمان والتقدير، لكنه يشعر بالاختناق لأنه لم يعد يجد مساحة للتعبير أو الاستقلال.

وهنا نفهم لماذا لا تستطيع الإنجازات وحدها أن تمنح الإنسان توازنًا كاملًا، ولماذا قد يبدو أحدهم للآخرين في أفضل حالاته، بينما يخوض في داخله استنزافًا لا يراه أحد.

فما نراه من حياة الإنسان ليس بالضرورة ما يحدث في داخله.

وحين نشعر بأن شيئًا في داخلنا ليس على ما يرام، ربما لا نحتاج إلى الهروب من مشاعرنا بقدر ما نحتاج إلى الإصغاء إليها، وأن نسأل أنفسنا:

أين يتسرّب رصيدي النفسي؟

هل أفتقد الأمان أم التقدير؟ هل أحتاج إلى الحب والانتماء؟ هل أنهكني الركض وأحتاج إلى الراحة؟ هل توقفت عن النمو؟ هل هناك الكثير مما لم أقله؟ هل فقدت مساحتي الخاصة؟ أم أنني، وسط مسؤولياتي، نسيت أن أعيش شيئًا من الفرح؟

فقد يقودنا السؤال الصحيح إلى موضع الاستنزاف أسرع من محاولات كثيرة لتجاهله.

همسة أمل

لا تنتظر حتى يصل رصيدك النفسي إلى الفراغ كي تتفقد خزاناتك.

فالروح أيضًا لها رصيد، وما ننفقه منها في الحب والعطاء والمسؤوليات ومواجهة الحياة يحتاج إلى أن يُستعاد.

تعلّم أن تعرف ما الذي يستنزفك، وما الذي يعيد إليك اتزانك، وأي جزء في داخلك يحتاج اليوم إلى اهتمام أكبر. ولا تجعل الاعتناء بنفسك آخر بند في قائمة لا تنتهي؛ لأنك أنت أيضًا تحتاج إلى نصيب من الوقت والاهتمام اللذين تمنحهما للآخرين.

وأحيانًا لا يكون السؤال: كيف أتحمل المزيد؟

بل: ما الذي أحتاج إلى استعادته في داخلي حتى أستطيع الاستمرار دون أن أفقد نفسي؟

فليس المهم فقط أن تعرف كيف تمنح من رصيدك…

بل أن تعرف متى تعود إلى نفسك، وأين تجد ما يملؤه من جديد …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى