حين يصمت البحر

إيمان المغربي -جدة
ليس كل صمت فراغ فبعض الصمت لحظة تنكشف فيها اشياء كانت تختفي خلف سرعة الايام
يمر على الانسان وقت لا يعود فيه البحر مطالب بدفعه الى العبور السريع ولا الريح تحمل له اتجاها جاهزا وكأن المسافة بينه وبين نفسه أصبحت أقرب من اي وقت مضى
هناك مراحل لا تعرف قيمتها بعدد الخطوات التي قطعناها بل بما تغير فينا ونحن نعبرها فبعض الرحلات لا تنقلنا الى شاطئ جديد فقط بل تقودنا إلى أعماق لم نكن نعرفها في انفسنا
وفي بعض الرحلات لا تكون الحاجة الى خريطة جديدة بل الى بوصلة تعيد ترتيب الاتجاه داخلنا ، فليست كل الطرق التي نبحث عنها خارجنا ، فبعضها يبدأ حين نفهم ما تغير فينا ونحن نمضي
مواقف ظننا أنها اغلقت أبوابنا ثم اكتشفنا لاحقا انها كانت تفتح في داخلنا ابوابا لم نكن نعرف وجودها
بعض المعاني لا تظهر ونحن وسط حركة الموج بل تحتاج ان نبتعد قليلا لنرى ما كان مختبئا خلف سرعة العبور
وحين يستقر البحر امام عينيك لا يكون قد فقد هيبته بل ربما منحك فرصة لترى عمقه دون ان تشغلك امواجه
في تلك اللحظات يصبح الاختيار اكثر وضوحا ويصبح الانسان اقرب الى معرفة ما يناسبه وما لا يشبهه
فالسفينة ليست دائما بحاجة الى موج يرفعها فأحيانا يكون ثباتها في قدرتها على حفظ اتجاهها مهما تغيرت أحوال البحر
ولعل من اجمل ما تمنحه لنا الايام انها لا تغير الاماكن التي نعبرها فقط بل تغير الطريقة التي نراها بها
وعندما تتبدل الرؤية في داخلنا يصبح الطريق مختلفا وتصبح الاشياء التي مرت بنا تحمل معنى لم نكن نراه من قبل
فالبحر لم يكن يوما مجرد مسافة نعبرها ، بل كان مرآة تكشف لنا كيف تغيرنا ونحن نمضي



