مكة المكرمة.. حرمة لا تُمس وحماية لا تتهاون.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغداد
أستاذ جامعي سابق، ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
حين يأتي الخبر من مكة المكرمة، فإننا لا نتعامل مع خبر أمني عابر، ولا مع مدينة تشبه غيرها من المدن فمكة لها في قلوب المسلمين مكانة لا تضاهيها مكانة وفيها بيت الله الحرام، والكعبة المشرفة، وقبلة المسلمين وإليها تهفو القلوب قبل أن تتجه إليها الخطى. ولذلك فإن أي تهديد يقترب من مكة، أو من مجالها الجوي المحظور يكتسب حساسية استثنائية تتجاوز الحسابات الأمنية المعتادة.
ولأنني مواطن سعوديّ أعتزّ بانتمائي إلى هذه البلاد، ولأنني من أبناء مكة المكرمة؛ وُلدت فيها، وُلد فيها آبائي وأجدادي، وترعرعتُ في حواريها، وبين أحيائها التي تحمل في الذاكرة تفاصيل العمر من شعب بني عامر، إلى حي العتيبية، إلى النزهة، ودرست في مدارسها، ثم في جامعتها العريقة، فقد شعرت أن من واجبي أن أكتب عن هذا الحدث الذي لا يعمله مسلم.
ولقد أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف، اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة معادية أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية أثناء محاولتها دخول المجال الجوي للعاصمة المقدسة مكة المكرمة.
حيث تمكنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي من اعتراضها وتدميرها جنوب مكة المكرمة عند الساعة 6:50 مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026. وهذه الجزئية تحديداً تستحق التوقف عندها
فالمسيّرة التي أُطلقت من قبل جماعة الحوثي كانت في اتجاه مكة المكرمة ، إلا أن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي تعاملت معها واعترضتها ودمّرتها جنوب مكة المكرمة شرفها الله بفضل الله ثم ببسالة قوات الدفاع الجوي السعودي ، ولم يتحول التهديد ولله الحمد إلىى واقع داخل مكة،
لكن بعيداً عن تفاصيل الاعتراض يبقى السؤال الأعمق: ماذا يعني أن تتجه مسيّرة عدائية نحو مكة المكرمة؟؟
إن الإجابة تبدأ من معنى مكة نفسها في الشريعة الإسلامية. فمكة ليست مجرد مدينة ذات أهميةٍ دينية فقط بل هي حرم شرعي له حرمة عظيمة. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وهذه الآية الكريمة تكشف عظمة المكان وخطورة إرادة الظلم والإلحاد فيه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)، ثم بين أن من حرمة مكة أنه لا يُعضد شجرها، ولا يُنفر صيدها، ولا تُنتهك حرمتها كما تُنتهك حرمة غيرها. إننا أمام مكان بلغت حرمته أن للشجر فيه حرمة وللصيد فيه حرمة وللمكان نفسه أحكاماً وخصوصية لا يشترك فيها مع سائر بقاع الأرض.
ومن هنا، فإن الحديث عن محاولةٍ عدائية تتجه إلى مكة لا ينبغي أن يُختزل في مصطلحات عسكرية باردة لأن الأمر يتعلق بمكان مقدس له حرمة شرعية راسخة في عقيدة المسلمين ووجدانهم. مكة كلها حرم ضمن حدوده الشرعية ولهذا فإن أمن مكة وطمأنينتها وسلامة أهلها وزوارها وحجاجها ومعتمريها تمثل مسؤولية مضاعفة،
والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من قدرات دفاعية متقدمة، ويقظة أمنية عالية، وقوة وحزم في حماية حدودها وأراضيها قادرة بإذن الله على حماية مكة المكرمة وصون حرمتها، وحماية جميع مدن المملكة وأراضيها، والتعامل بحزم وكفاءة مع أي تهديد يستهدف أمنها واستقرارها.
وهنا تظهر قيمة وسائل الدفاع الجوي السعودي الفعّال الذي يعتمد على وسيائل دفاع متعددة بتقنيات حديثة ، ولا ينتظر وقوع الضرر حتى يتحرك، وإنما يتبع إستراتيجيات بعدة مستويات للحماية، تتكامل فيها قدرات الرصد والإنذار والاستجابة والاعتراض. والهدف النهائي ليس إسقاط المسيّرة فحسب، بل منع التهديد من الوصول إلى الإنسان والمكان والمنشأة والمجال المحمي.
وهذا ما يجعل أي اعتراض لأي تهديد بتجه لأي مدينة دلالة استراتيجية مهمة فالنجاح الحقيقي في مثل هذه الحالات هو أن درء الخطر وحماية ا لمجتمعات السكانية التي يجب أن تظل آمنة وأن تتحول منظومة الدفاع إلى حاجز يمنع التهديد من الوصول إلى هدفه.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن قراءتها من هذه الواقعة هي أن المملكة العربية السعودية لا تتعامل مع حماية مكة بمنطق رد الفعل، وإنما بمنطق الوقاية والاستباق. فمكة ليست منطقةً يمكن أن تُترك لاحتمالات التهديد، بل هي من أكثر الأماكن حساسيةً وأهميةً، وحمايتها تتطلب أعلى درجات اليقظة والاستعداد والتكامل بين مختلف منظومات الأمن والدفاع.
والأمر لا يتعلق بمكة وحدها. فالمملكة ولله الحمد بما تملكه من منظومات أمنية ودفاعية وقدرا ت بشرية وتقنية متقدمة تعمل على حماية أراضيها ومدنها ومواطنيها والمقيمين فيها، والتعامل مع أي تهديد يستهدف أمنها واستقرارها. وقد أثبتت مثل هذه الوقائع أن الدفاع لا يعني انتظار الخطر حتى يصل إلى قلب المدينة وإنما اكتشافه والتعامل معه قبل أن يتحول إلى اعتداءٍ مؤثر.
وفي حالة مكة تحديدًا، تصبح هذه المسؤولية أكثر عمقًا؛ لأن حماية الحرم ليست حمايةً لموقعٍ جغرافيٍّ فقط، وإنما حمايةٌ لسكينة المكان، وأمن قاصديه، وطمأنينة الملايين الذين يفدون إليه من مختلف أنحاء العالم.
ومن المهم هنا أن ندرك أن قوة المملكة لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد، وإنما أيضاً بقدرتها على المنع والاحتواء والاستباق. فالقوة الدفاعية الحقيقية هي التي تجعل وصول الخطر إلى هدفه أمراً بالغ الصعوبة، وتمنح القيادة والأجهزة المختصة الوقت والمساحة الكافيين للتعامل معه قبل أن يتسبب في أذى.
ومكة المكرمة تحديداً توليها حكومتنا الرشيدة الإهتمام الكافي والجدير بها ، فهي تستحق هذا المستوى من الحماية لأنها ليست مجرد جزء من خارطة المملكة، بل هي مكة المكرمة التي جعل الله فيها بيته الحرام، وهي البلد الذي ارتبطت به أعظم شعائر الإسلام، وهي المكان الذي يقصده المسلمون في صلاتهم وحجهم وعمرتهم، وإليها تتجه وجوه المصلّين في كل بقعة من بقاع العالم في صلواتهم اليومية.
ولذلك فإن محاولة الاقتراب منها بعمل عدائي يظل أمراً بالغ الخطورة من الناحية الأمنية والمعنوية مهما كانت الوسيلة المستخدمة أو حجمها. فالمعيار ليس حجم المسيّرة، وإنما حرمة المكان الذي حاولت الاقتراب منه.
ومن هنا يمكن فهم أهمية العبارة التي تتكرر في مثل هذه الأحداث: التعامل مع التهديد بمسؤولية وحزم .. فالحزم لا يعني الانفعال والمسؤولية لا تعني التهاون؛ بل تعني أن يكون القرار محسوباً ، والاستجابة دقيقة، والهدف واضح .. حماية الأرواح، وصون المقدسات، والحفاظ على أمن الوطن.
إن المملكة العربية السعودية، وهي تتحمل مسؤولية تاريخية في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، تدرك أن حماية مكة المكرمة ليست ملفاً أمنيًّاً عادياً، وأن أمن الحرم جزء من أمن المملكة، وأن حماية الحجاج والمعتمرين والزوار والسكان ليست مهمة موسمية وإنما مسؤولية مستمرة تتطلب الجاهزية الدائمة.
ومكة المكرمة العاصمة المقدسة ستبقى آمنة مطمئنة بإذن الله، والحرم المكي سيبقى كذلك أمناً مطمئناً ، وستظل قلوب المسلمين متجهة إليها وهي تستشعر قدسية المكان وعظمته.
وستبقى دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لمكة المكرمة خالدة تالدة إلى قيام الساعة ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾…﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾..
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].
ومن أجل مكة شرفها الله لا يُقاس الخطر بحجم طائرة أو سلاح أبداً لأن المسألة تبدأ من حرمة المكان. ومن يحاول الاقتراب من بلد حرّمه الله، فعليه أن يدرك أن وراء هذا المكان أمة تستشعر حرمته، ودولة سخّرت قدراتها لحمايته، ومنظومة أمنية تعرف متى ترصد، ومتى تمنع، ومتى تعترض، ومتى تحسم..



