مقالات و رأي

من يبعِ الطيبَ يَطب

بقلم الكاتب : أحمد القاري

منذ القدم ارتبط الطيبُ بالجمال والأناقة، وكان العطر رسولاً يسارع بطيبه إلى القلوب، فتبعث الراحة، وتنشر الألفة، وتترك في النفوس أثراً بالغَ الحسن مدى العمر.
لذا «من يبعِ الطيبَ يَطب»؛ فبائع الطيب لا يحمل إلا الروائح الزكية، فيعلق شيء من عبقها بثيابه ويديه، وكذلك من يخالط أهل الخير والفضل، فلا بد أن يناله من طيب أخلاقهم، كما ينال الناس شذا العطور الزكية. فالأثر الجميل لا يقف عند صاحبه.

لقد أولى الإسلام النظافة والتطيبَ اهتماماً كبيراً، وجعله من محاسن الأخلاق وكمال المروءة، فالمسلم يعتني بجسمه وثوبه وهيئته، ويأنف من الروائح السيئة، فالرائحة الطيبة لغة من لغات المحبة، ورسول من رسل المشاعر الجميلة، تعبّر عن الاحترام والتقدير والاهتمام بالآخرين، وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ويحث عليه، وقد عُرف عنه حبه للعطر، كما شبَّه صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بحامل المسك، فقال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة». وهذا التشبيه النبوي البليغ يدل على أن الخير ينتقل كما تنتقل الرائحة الزكية، وأن الإنسان يتأثر بمن حوله، كما يتأثر سريعاً بالمكان الطيب والعطر الجميل.

وقد امتن الله سبحانه وتعالى علينا بما أودع في الكون من الروائح الزكية والنباتات العطرة، فقال جل شأنه: ﴿والحب ذو العصف والريحان﴾، فجعل الريحان رمزاً للطيب والجمال والراحة.
وقال سبحانه: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، والزينة تتمثل في النظافة، وحسن الهيئة والخلق، والتطيب، لما في ذلك من إظهار جمال الإسلام ورقيه، واحترام الإنسان لنفسه ولمن يلقاهم.

والتطيب داخل البيوت لا يقل أهمية عن التطيب خارجها؛ فالزوجة تحب أن تجد من زوجها رائحة طيبة، والزوج يأنس بعطر زوجته، والأبناء يحبون أن يجدوا من ذويهم أجمل الروائح، فتبعث السكينة، وتزيد المحبة بين أفراد الأسرة. فالعطر لمسة حانية، وطبطبة خفية على القلوب.
والطيب الحقيقي لا يقف عند حدود قنينة العطر، بل يمتد إلى طيب اللسان، ولين الجانب، وصدق المعاملة، وحسن الخلق. فكم من إنسان فاح عطره ساعةً ثم نُسي، وكم من إنسان بقي عبق أخلاقه في القلوب سنين طويلة. وإذا اجتمع طيب الرائحة مع طيب السيرة، اكتملت صورة الجمال التي يحبها الله ويأنس بها الناس.

إن الطيب ثقافة حياة، ورسالة احترام، وعنوان ذوق، فكما أن الكلمة الطيبة صدقة، فإن الرائحة الطيبة إحسان.
فطوبى لمن جعل طيبَ الخلق سمةً له وطيبَ الرائحة شعاراً، ومن يبعِ الطيبَ حقاً يَطب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى