مقالات و رأي

حين تمنحنا الحياة الحكمة… بعد أن يمضي العمر

عبدالله شراحيلي أبو يحى

ليست الحياة كتابًا تُقرأ صفحاته بالترتيب، ولا مدرسةً تُسلِّم شهاداتها قبل الامتحان؛ إنها تُخفي دروسها في ثنايا الأيام، وتكتب حكمتها بحبر التجارب، فلا نفهم كثيرًا مما يحدث لنا إلا بعد أن يهدأ الضجيج، وتنطفئ دهشة البدايات.
نمضي في أعمارنا ونحن نظن أن الطريق واضح، وأن الوجوه كما تبدو، وأن الأحلام لا تعرف الانكسار. ثم تمضي بنا السنوات لتكشف أن أكثر الدروس قيمةً لم نتعلمها في لحظات الفرح، بل في ساعات الخذلان، وأن أعظم المعلمين لم يكونوا الأشخاص، بل المواقف التي غيَّرت نظرتنا إلى الحياة.
وما أقسى أن تكتشف الحقيقة بعد أن تُغلق الأبواب، وأن تعرف قيمة بعض الأشياء بعد أن تغادر، وأن تدرك معنى الوفاء بعد أن يرحل الأوفياء، وأن تفهم الناس بعد أن تُسقط الأيام عنهم أقنعتهم.
إن الحياة تُعلِّم الإنسان الكثير، لكنها كثيرًا ما تمنحه أثمن دروسها في وقتٍ لم تعد لديه فيه القدرة على العودة إلى البدايات، ولا رفاهية تصحيح كل الأخطاء، ولا متسعٌ من العمر ليعيش ما تعلَّمه كما كان يتمنى.
ومع ذلك، فإن التجارب لا تأتي عبثًا، بل لتصنع إنسانًا أكثر نضجًا، وأهدأ روحًا، وأعمق نظرًا. فالحكمة ليست أن نعيش بلا أخطاء، وإنما أن تتحول أخطاؤنا إلى مصابيح تُنير ما بقي من الطريق، وأن يصبح الألم بابًا للفهم، لا سجنًا للحزن.
وهكذا يمضي العمر، لا بعدد السنين، بل بعدد الدروس التي غيَّرتنا، وعدد الحقائق التي أيقظتنا، وعدد المرات التي سقطنا فيها ثم نهضنا بقلوبٍ أكثر صبرًا، وعقولٍ أكثر اتزانًا.
خاتمة:
لعل أجمل ما نتعلمه في نهاية المطاف أن الحياة لا تعيد إلينا ما مضى، لكنها تمنحنا القدرة على أن نجعل ما بقي أجمل مما فات. فليس النجاح أن نعيش بلا عثرات، بل أن نحمل من كل عثرة حكمة، ومن كل خسارة قوة، ومن كل تجربة نورًا نهتدي به.
وكما يقال: “إن العمر لا يُقاس بعدد الأعوام التي عشناها، بل بعدد الدروس التي جعلتنا أكثر إنسانية، وأكثر حكمة، وأكثر سلامًا مع أنفسنا.”

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى