إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

اربح نفسك واخسر الرهان

الكاتبة / أمل بازيد
كاتبة صحفية إعلامية لايف كوتش
ماجستير إرشاد نفسي

أحيانًا تأتينا الخيبة من حيث لا نتوقع، لا لتكسرنا، بل لتوقظ فينا شيئًا طال سباته. تأتي كصفعة مباغتة تزيح عن أعيننا ما حجبه التعلّق، فنستفيق فجأة، وننظر إلى الطريق الذي قطعناه، ثم نسأل أنفسنا بدهشة موجعة:

ماذا فعلنا بأنفسنا ونحن نحاول ألّا نخسر؟

فليست كل خسارة هزيمة، ولا كل فوز يستحق ثمنه. ثمة رهانات نخرج منها خاسرين أمام الآخرين، بينما نكون للمرة الأولى قد ربحنا أنفسنا.

استوقفتني أبيات تقول:

«فز يا قلبي ولا ترضى الهوان
غيبة السلوى سرى براقها
لا تخسر نفسك ولو خسر الرهان
في قلوبٍ كنت من عشاقها
انصب الفرحة بروض الامتنان
وثبّت العز وفل رواقها»

نمضي في الحياة ونحن نتعلم كيف نربح؛ الفرص والقلوب والمواقف والأحلام، لكن قليلًا ما نتعلم كيف نخسر دون أن نخسر أنفسنا معها.

فالإنسان لا يضيع من نفسه دفعة واحدة، بل يتناقص بصمت؛ يتنازل كي لا يخسر أحدًا، ويصمت حتى لا تتسع المسافة، ويبرر ما يؤلمه، ويؤجل راحته، حتى يصبح ما كان استثناءً عادة، وما كان يرفضه أمرًا يتعايش معه.

ثم تأتي بعض الخيبات لتفعل ما لم تستطع النصائح فعله.

تكشف.

تسقط الأعذار التي صنعناها، وتعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية، وتجعلنا نرى المسافة التي ابتعدناها عن أنفسنا ونحن نظن أننا نحسن الصبر والوفاء.

بعض الخيبات قاسية لأنها تأتي بعد أن نكون قد أعطينا وانتظرنا وصدقنا كثيرًا، لكنها تمنحنا شيئًا بالغ الأهمية: وضوحًا لا يستطيع الوهم أن يعيش بعده.

وحين تتضح الصورة، يتغير السؤال.

لا نعود نسأل: كيف أحافظ على هذا؟

بل: لماذا أحافظ على شيء أفقد نفسي في سبيله؟

فالوفاء لا يعني أن نظل في مكان يستنزفنا، والصبر لا يعني أن نعتاد ما يؤذينا، والمحبة لا ينبغي أن تصبح امتحانًا دائمًا لقدرتنا على الاحتمال.

وأحيانًا نستمر فقط لأننا قطعنا مسافة طويلة، ونبقى لأننا بذلنا كثيرًا، وكأن ما دفعناه بالأمس يلزمنا بأن ندفع غدنا أيضًا.

لكن النضج لا يعلمنا كيف نتمسك فحسب، بل متى نتوقف.

هناك لحظة هادئة لا تحتاج إلى خصومة أو انتقام، يقول فيها الإنسان لنفسه: يكفي.

يكفي أن أكون آخر اهتماماتي.
يكفي أن أبحث عن قيمتي في عيون الآخرين.
يكفي أن أعتبر كل نهاية فشلًا، وكل انسحاب هزيمة.

فليس كل ما نفقده كان يجب أن يبقى، وليست كل الأشياء التي نحبها تصلح أن ترافقنا إلى نهاية الطريق.

ثمة أشخاص وأماكن وأحلام ومراحل كانت جميلة في وقتها، وأدت دورها في حياتنا، ثم انتهى زمنها. والنضج أن نحفظ لها جمالها دون أن نحاول إحياءها على حساب حاضرنا.

أن نقول: كان جميلًا.

ثم نمضي.

دون أن نهدم الذاكرة، ودون أن نسكن فيها.

ومع العودة إلى أنفسنا، نستعيد أشياء لم ننتبه إلى غيابها؛ خفة أرواحنا، هدوء أيامنا، أحلامًا أهملناها، وقدرتنا على الفرح دون انتظار.

وعندها نفهم أن بعض الخسارات لم تأتِ لتأخذ منا، بل لتعيد إلينا ما كنا نفقده دون أن نشعر.

وقد نكتشف متأخرين أن الرهان الذي بكينا خسارته لم يكن أثمن ما في الحكاية.

نحن كنا الأثمن.

لذلك، حين يصبح ثمن الفوز أن تتنازل عن كرامتك أو سلامك أو قيمك أو حقيقتك، فلا تخشَ الخسارة.

فبعض الخسارات انتصارات لا يفهمها إلا من دفع ثمن البقاء طويلًا، وبعض النهايات لا تكشف معناها إلا بعد أن نبتعد عنها.

وقد يكون أجمل ما يحدث في بعض الرهانات…

أن نخسرها ونربح أنفسنا.

همسة أمل

الطرق تتغير، والفرص تتجدد، والقلوب لها أقدارها.

أما أنت، فلا تجعل نفسك ثمنًا لأي شيء.

اربح نفسك… واخسر الرهان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى