مقالات و رأي

هل يرفض العقل… أم ترفضه معتقداتنا؟

الكاتبة /امل بازيد
كاتبة واعلاميةولايف كوتش ماجستير إرشاد نفسي

“العقل الذي لا يراجع أفكاره يتحول من أداةٍ للبحث عن الحقيقة إلى سجنٍ لها.” – كارل بوبر

كم مرة قلت لنفسك: “عقلي يرفض”؟

وربما لم يكن العقل يومًا هو الرافض، بل معتقدٌ قديم وُلد من تجربة مؤلمة، حتى لبس ثوب المنطق وأصبح يتحدث باسمه.

ومن هنا يبدأ سؤال يستحق التأمل:

هل يرفض العقل فعلًا… أم أننا ننسب إليه أحكامًا صنعتها تجاربنا؟

اعتدنا أن نسمع: “استمع إلى عقلك، ولا تتبع قلبك”، حتى ترسخ في أذهاننا أن العقل هو صوت الحكمة، وأن القلب مصدر الاندفاع. لكن الحقيقة أن العقل لا يعمل بمعزل عن الخبرات التي مررنا بها، بل يفسر الحاضر في ضوء ما اختزنه من الماضي.

فالإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما يفسره. وكل تجربة تترك أثرًا في داخله؛ فقد يخونه شخص فيربط الثقة بالألم، أو يفشل مرة فيخشى المحاولة، أو يتعرض لخذلان فيبالغ في الحذر. ومع مرور الزمن تتحول هذه التفسيرات إلى قناعات راسخة، حتى يظن أنها حقائق لا تقبل النقاش.

ولهذا قال الفيلسوف ماركوس أوريليوس:

“ليست الأشياء هي التي تزعجنا، بل آراؤنا عنها.”

ويشير الطبيب النفسي آرون بيك في علم النفس المعرفي إلى أن الإنسان قد يبني كثيرًا من أحكامه على أفكار تلقائية ومعتقدات راسخة، لا على الحقائق نفسها. ومع تكرار هذه الأفكار تصبح مألوفة، فيتعامل معها وكأنها حقيقة، بينما هي في الأصل تفسير صنعته تجربة سابقة.

لكن يبقى السؤال الأهم:

كيف نعرف أن الذي يقودنا هو العقل، وليس معتقدًا قديمًا؟

العقل يستند إلى الأدلة والواقع، ويقبل أن يغيّر رأيه إذا ظهرت له حقيقة جديدة. أما المعتقد، فيستند إلى تجربة سابقة أو فكرة ترسخت مع الزمن، فيتعامل معها وكأنها حقيقة مطلقة، حتى وإن تغيّرت الظروف.

فإذا قال لك العقل: “احذر، لأن هناك مؤشرات حقيقية تستدعي الحذر.” فهذا حكم منطقي.

أما إذا قال: “لا تثق بأحد لأنك خُذلت مرة.” أو “لا تحاول لأنك فشلت سابقًا.” أو “لن تنجح لأنك لست كفؤًا.” فهنا لا يتحدث العقل، بل يتحدث معتقد قديم عمّم تجربة واحدة على كل ما بعدها.

فالعقل يفرّق بين الماضي والحاضر، بينما المعتقد يخلط بينهما، ويجعل ما حدث مرة وكأنه سيحدث دائمًا.

ولهذا قد يرفض إنسان فرصةً قد تغيّر حياته لأنه أقنع نفسه أنه لا يستحقها، ويبتعد آخر عن علاقة صادقة خوفًا من تكرار خيبة قديمة، ويتخلى ثالث عن حلمه لأنه ما زال يصدق حكمًا قاسيًا سمعه عن نفسه قبل سنوات.

وفي كل هذه المواقف، لم يكن العقل هو الذي رفض، بل المعتقد الذي لبس ثوب العقل.

إن النضج الحقيقي لا يعني أن ننحاز إلى القلب أو إلى العقل، بل أن نراجع ما يقود قراراتنا، وأن نسأل أنفسنا:

هل هذه الفكرة تستند إلى الواقع، أم إلى تجربة قديمة ما زالت تنظر إلى الحاضر بعين الماضي؟

ولذلك دعا القرآن الكريم إلى التفكر والتدبر، ونهى عن اتباع الظن والتقليد دون بصيرة، لأن العقل الذي يبحث عن الحقيقة لا يخشى المراجعة، بل يرى فيها سبيلًا إلى مزيد من الفهم والوعي.

فمراجعة القناعات لا تعني هدم كل ما تعلمناه أو ورثناه، وإنما تعني أن نميز بين ما يزال صالحًا لحياتنا اليوم، وما كان يحميـنا في مرحلة مضت، ثم تحول مع الزمن إلى قيد يمنعنا من التقدم.

همسة أمل

حين يحتدم الصراع داخلك، لا تسأل فقط: ماذا يريد قلبي؟ ولا تكتفِ بسؤال: ماذا يقول عقلي؟

بل اسأل السؤال الذي قد يغيّر حياتك كلها:

هل ما أراه حقيقة… أم مجرد معتقد قديم ما زال ينظر إلى الحاضر بعين الماضي؟

فقد تكتشف أن كثيرًا من القيود التي عطلتك لم تكن واقعًا، بل أفكارًا كررتها حتى صدقتها، وأن الأبواب التي ظننتها مغلقة لم تكن موصدة يومًا… وإنما كانت تنتظر منك أن تؤمن بأن الماضي لا يملك حق كتابة مستقبلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى