من البحر الأحمر إلى بحر العرب.. حين تُعاد كتابة معادلة الردع.

د/ فدغوش بن ذياب
في السياسة، لا تُقاس قيمة الاتفاقيات بعدد البنود التي تتضمنها، وإنما بالرسائل التي تحملها، وبالتحولات التي تسبقها، وبالواقع الجديد الذي تصنعه بعد توقيعها. أما في الجغرافيا، فإن الخرائط لا تتغير كثيرًا، لكن موازين القوى تتغير كلما أعادت الدول تعريف مصالحها، واختارت أن تنظر إلى المستقبل بعين الشريك لا بعين المتفرج.
من هذا المنطلق، يكتسب أي إطار متقدم للتعاون الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز البعد العسكري التقليدي. فهو لا يمثل مجرد تقارب بين ثلاث دول مؤثرة في العالم الإسلامي، بل يعكس ولادة رؤية استراتيجية تدرك أن الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُبنى على التحالفات الجامدة، بل على الشراكات المرنة التي تجمع بين القوة العسكرية، والتكامل الاقتصادي، والتقدم التقني، والاستقلال في القرار السيادي.
لقد أدركت المملكة العربية السعودية، خلال العقد الأخير، أن بناء النفوذ لا يمر عبر الخطابات، وإنما عبر تنويع الشراكات، وتوسيع مساحات الحركة، وعدم الارتهان لمحور واحد مهما بلغت قوته. وهذه ليست سياسة حياد، بل سياسة سيادة؛ فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة هي الدولة الأكثر قدرة على حماية مصالحها عندما تتغير موازين العالم.
وفي المقابل، تمثل تركيا نموذجًا لدولة استثمرت طويلًا في تطوير صناعاتها الدفاعية، حتى أصبحت منتجاتها العسكرية عنصرًا حاضرًا في العديد من مناطق النزاع، بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية واستراتيجية متراكمة، وقاعدة بشرية مؤهلة، تجعلها شريكًا مهمًا في أي مشروع يهدف إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا وقدرة على الاستجابة للمتغيرات.
لكن القراءة السطحية وحدها هي التي تختزل أي تعاون دفاعي في صفقات السلاح أو المناورات المشتركة. أما القراءة العميقة، فتدرك أن التحالفات الحديثة تُبنى حول حماية سلاسل الإمداد، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتبادل المعرفة، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتنسيق الاستجابة للأزمات العابرة للحدود. فهذه الملفات أصبحت اليوم جزءًا من مفهوم الأمن الوطني، وربما أكثر تأثيرًا من بعض أدوات الردع التقليدية.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد سباقًا على النفوذ العسكري، فإن القرن الحالي يشهد سباقًا على القدرة على إدارة التوازنات. ولهذا، فإن أي تعاون مؤسسي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لا ينبغي تفسيره بوصفه اصطفافًا ضد طرف بعينه، بل باعتباره محاولة لبناء مساحة استراتيجية تمنح أطرافها هامشًا أوسع من حرية القرار، في عالم أصبحت فيه التحالفات أكثر سيولة، والمصالح أكثر تعقيدًا.
ولا يمكن تجاهل أن المملكة العربية السعودية تخوض اليوم مشروعًا وطنيًا واسعًا لإعادة تشكيل اقتصادها، وتوطين صناعاتها، وتعزيز أمنها الوطني ضمن مستهدفات رؤية 2030. ومن الطبيعي أن يترافق هذا التحول مع بناء شراكات استراتيجية تعزز القدرات المحلية، وتفتح آفاقًا جديدة للتكامل في مجالات التكنولوجيا الدفاعية، والبحث والتطوير، ونقل المعرفة، بما يحقق مصالح جميع الأطراف.
إن المنطقة لا تحتاج إلى سباق تسلح بقدر حاجتها إلى توازن مسؤول. فالردع الحقيقي ليس في امتلاك القوة وحدها، وإنما في امتلاك قوة تجعل الحرب خيارًا مستبعدًا، والسلام خيارًا أكثر عقلانية. وهذه هي الفلسفة التي صنعت أكثر التحالفات استقرارًا في التاريخ؛ تحالفات قامت على حماية المصالح المشتركة، لا على صناعة الخصومات.
ولعل أهم ما يميز السياسة السعودية اليوم أنها لم تعد تكتفي بإدارة الأزمات، بل أصبحت تسعى إلى هندسة بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، يكون الحوار فيها أصلًا، والقوة ضمانة، والتنمية غاية. ومن هنا، فإن أي تعاون دفاعي مع دول تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا كتركيا وباكستان يجب أن يُقرأ ضمن هذا الإطار الأشمل، لا باعتباره خطوة عسكرية معزولة.
في نهاية المطاف، لا تصنع الدول الكبرى مكانتها بكثرة ما تعقده من اتفاقيات، بل بحسن اختيار شركائها، ووضوح أهدافها، وقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، لا إلى قيد. وإذا كانت السياسة هي فن قراءة المستقبل، فإن الدول التي تبني جسور التعاون قبل أن تفرض عليها الظروف ذلك، هي الدول التي تكتب مستقبلها بنفسها، ولا تترك الآخرين يكتبونه عنها



