مقالات و رأي

فقيد المدينة .. (محمد صالح البليهشي) رحمه الله

الدكتور محمد أديب عبد السلام
برفيسور في الإعلام الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم

أتحدث اليوم عن رحيل أستاذي وقدوتي وصهري ومعلمي، الذي فُجعت بوفاته؛ إنه صاحب القلب الكبير، وصاحب المثل والمبادئ التي عرفتها ونهلت منها، ونهل منها معي الكثير.

رجل أعطى لمجتمعه ومحبيه الكثير والكثير، دون مَنٍّ أو ضجة أو ضوضاء. إنه فقيد المدينة، وأديبها، ومؤرخها، ورجلها الذي لا يُعوَّض.

إنه الأديب، الأريب، الحبيب، النسيب، الأستاذ محمد صالح البليهشي، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

جاء رحيل أبي قاسم فجأة ونحن في إجازة، ووصلني الخبر وأنا في مكة الخير، والحمد لله الذي يسّر لي حضور أيام العزاء الثلاثة، وشاهدت خلالها الكثير والكثير مما أثلج الصدر، بالرغم من مرارة المصيبة وفاجعة الفقد.

رأيت الناس زرافات ووحدانًا، وقد تواصلت وتقاطرت وحشدت نفسها إلى مقر العزاء، لتقدم واجبها لرجل أعطى المدينة كل شيء، وكان ملء السمع والبصر فيها.

وصدق إمام المذهب الإمام أحمد عندما قال: «بيننا وبينهم الجنائز».

منذ البداية كانت جنازته ومشهده مميزين، كما كان عطاؤه متألقًا للمدينة وأهلها، شيبها وشبابها. لم يبخل على أحد بعطائه، وكان علمًا من الأعلام، ورائدًا من الرواد، وكبيرًا من كبار أهل المدينة ومحدثيها ومؤرخيها وأدبائها.

ماذا أقول في هذا الرجل الذي تربطني به ومعه وبه صلة خاصة؟

عندما حضر إليّ في بيتي ليخطب ابنتي لنجله، معالي أمين المدينة المهندس فهد، قال لي: «أستاذك، وهو فعلًا خير أستاذ كان لي، يخطب حفيدة أستاذه»، يقصد أبي رحمه الله، الذي كان معلمًا له وزامله في سلك التعليم، وخصوصًا في الإدارة المدرسية.

قال لي: «أستاذك يخطب حفيدة أستاذه، التي هي ابنتك لابنه».

فهل أوافق؟ كنت أعتز وأتشرف بذلك.

وفعلًا، والحمد لله، لم أجد طوال هذه السنوات من أستاذي الأستاذ محمد صالح البليهشي، وقد توالت المناسبات والخطوب والأحداث، إلا كل خير رأيته ملء السمع والبصر.

وقد أعز ابنتي واحتضنها، وأصبحت تقول بملء الفم: «هذا أبي، هذا سيدي الثاني»، نسبة إلى أبي، سيدها الأول.

هكذا بعفوية بنات المدينة الشرفاء الظرفاء الذين نعتز بهم.

رأيت الأستاذ محمد صالح ينثر عطاءه، وينثر كرمه على الجميع. شهدته في مجلس أمير المنطقة، ملء السمع والبصر، وعندما يتحدث عن معلومة تخص المدينة أو عن أحد أدبائها، تشعر أنك أمام موسوعة حية تحفظ تاريخ المدينة ورجالها.

سارت بي الذكرى وتذكرت عندما طلبت مجموعة طيبة الثانوية كتابًا عن خريجيها، فلم يجدوا إلا محمد صالح البليهشي، الذي أنجز هذا السفر الخالد في أيام قليلة معدودة، ودون أن يتأخر عن خدمة المدينة في شيء.

تذكرت كيف نشر ونثر وألّف وكتب عن أديب المدينة الأستاذ عبدالعزيز الربيع، وأوفى وأعطى حق الزمالة التي جمعته به سنوات طويلة.

ولم ينشر مؤلفات الربيع رجل مثل أبي قاسم، رحمه الله الأستاذ محمد صالح البليهشي.

وتذكرت عطاءه في نادي المدينة الأدبي، وتذكرت عطاءه في رئاسته لنادي أحد، الذي اعتز به وعمل فيه ما عمل، وجعله صرحًا رياضيًا وثقافيًا في الفترة التي تولى فيها رئاسته.

بل دفع من ماله الخاص، واشترى له متحفًا تذكاريًا، وأنشأه، وأعطى الكثير لنادي أحد من حسابه الخاص، دون مَنٍّ أو قيد.

وكان يقول: «هذا للمدينة ولأبناء المدينة».

لم يكن يريد الاستفادة أو الشهرة، وإنما كان يرى أن ما يقدمه هو واجب تجاه مدينته وأهلها.

وأقول: إننا، والحمد لله، في مجتمع مترابط متحاب.

رأيت أبناء المدينة وأهلها ورجالها، شيبها وشبابها، يتقاطرون لتقديم واجب العزاء لقاسم وفهد وأحمد وكافة أبنائه الكرام، ولأخيه الكريم الذي أعتز به وبمعرفته الأستاذ حسين، وغيرهم من آل البليهشي الكرام.

رأيت الوفاء في أبهى صوره، ورأيت العطاء في أجمل معانيه.

بادلوهم حبًا بحب، وعطاءً بعطاء، وهذا أقل الواجب في فقيد المدينة ورجلها، الذي، ولله الحمد، وجدنا ذكره ومآثره الطيبة الخالدة تتردد على الألسن، وقد تناولتها الأقلام، وتناولها كتاب المدينة والحجاز ومكة وغيرها من العواصم والمدن.

وأثبت الجميع أننا، بحمد الله، على قلب رجل واحد، وأن الرجال الذين يزرعون الخير في حياتهم تبقى آثارهم حاضرة بعد رحيلهم.

رحم الله محمد صالح البليهشي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه وأهله، وألهمنا جميعًا الصبر والسلوان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإن أردتها إلا ذكرى لهذا العالم الطيب، والذكرى بإذن الله تنفع المؤمنين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى