مقالات و رأي

الردع الإسلامي أمام خطر المسيّرات ووكلاء إيران

بقلم : أحمد يحيى جرادي

تشكل إيران مصدر قلق أمني متواصل لدول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ليس بسبب قدراتها العسكرية المباشرة فحسب، وإنما كذلك بسبب الأذرع والجماعات المسلحة المرتبطة بها في عدد من دول المنطقة، وما تمتلكه هذه الجماعات من صواريخ وطائرات مسيّرة وتقنيات عسكرية متطورة.
ويأتي الخطر الأكبر من استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ لاستهداف المنشآت الحيوية، وفي مقدمتها المنشآت النفطية والموانئ والمطارات والسفن ومرافق الطاقة. فهذه الأسلحة أصبحت اليوم أقل تكلفة من كثير من وسائل الدفاع التي تستخدم لاعتراضها، وهو ما يجعل المعركة الاقتصادية جزءًا أساسيًا من الحرب الحديثة؛ فقد تكون قيمة المسيّرة محدودة، بينما قد تكلف عملية اعتراضها مبالغ أكبر بكثير.
ومن أبرز مصادر القلق ما يجري في اليمن، حيث تمكن الحوثيون خلال السنوات الماضية من تطوير قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسط اتهامات وتقارير دولية متكررة بشأن الدعم الإيراني لهم بالتقنيات والمكونات والخبرات. كما أن بعض المناطق والمواقع التي كانت متاحة لهم وفرت بيئة للتدريب والتخزين وتطوير القدرات العسكرية.
ولا تكمن الخطورة في وصول المسيّرة إلى هدفها فقط، بل حتى في استمرار إطلاقها؛ فالدول المستهدفة تجد نفسها أمام حاجة دائمة إلى تشغيل منظومات الرصد والدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يفرض تكاليف اقتصادية وعسكرية كبيرة مع مرور الوقت.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة ردع متكاملة لا تقتصر على اعتراض المسيّرات بعد إطلاقها، وإنما تمتد إلى كشف مصادر الخطر ومنع وصول التقنيات والأسلحة إلى الجماعات المسلحة، وتعزيز أمن الحدود والمياه الإقليمية والموانئ والمنشآت الحيوية، وتطوير وسائل دفاعية أقل تكلفة وأكثر قدرة على التعامل مع أسراب المسيّرات.
وفي هذا السياق، فإن التعاون الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان يمثل تطورًا مهمًا يمكن البناء عليه، خصوصًا إذا تحول إلى تعاون عملي في مجالات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، ومكافحة الطائرات المسيّرة، وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير الصناعات العسكرية المشتركة.
إن أمن المملكة ودول الخليج لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مسؤولية دولة واحدة، بل مسؤولية جماعية لدول المنطقة والدول الشقيقة القادرة على المساهمة في حماية أمنها واستقرارها. فالأمن البحري، وأمن الطاقة، وحماية الممرات التجارية، وحماية المنشآت الحيوية، كلها مصالح مشتركة تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
كما أن الردع لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مفتوحة أو الرد بالمثل على كل حادثة، وإنما يعني أن يدرك أي طرف يفكر في استهداف أمن المنطقة أن تكلفة الاعتداء ستكون أكبر بكثير من أي مكاسب يتوقع تحقيقها. ويجب أن يكون الرد، متى اقتضت الضرورة، مدروسًا ومتناسبًا ومبنيًا على أدلة واضحة ومسؤولية قانونية، حتى لا تنزلق المنطقة إلى حرب شاملة يدفع ثمنها شعوبها واقتصاداتها.
إن المملكة العربية السعودية بما تملكه من إمكانات اقتصادية وعسكرية، وبما تشهده من تطور في الصناعات الدفاعية وتوطين التقنية، قادرة بإذن الله على تعزيز أمنها وحماية مقدراتها. وإذا اجتمعت هذه القدرات مع التعاون الحقيقي بين الدول الإسلامية الشقيقة، فإن ذلك يمكن أن يشكل مظلة ردع قوية تحمي المنطقة من أخطار الصواريخ والمسيّرات والجماعات المسلحة.
نحن لا نبحث عن حرب، ولا نتمنى الشر لأي شعب مسلم، وإنما نبحث عن السلام القائم على القوة والردع والعدل. فاستقرار دولنا الإسلامية ووحدة أراضيها وحماية مقدراتها وأمن شعوبها مسؤولية عظيمة، ولا ينبغي أن تترك الساحة لمن يريد إشعال الفتن وتمزيق المنطقة وإضعاف دولها.
إن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من التعاون والتنسيق بين الدول الإسلامية، وبناء قدرات دفاعية مشتركة، وتطوير الصناعات العسكرية محليًا، وحماية الممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية، حتى تكون الرسالة واضحة: نحن دعاة سلام، ولكننا قادرون على حماية أوطاننا ومقدراتنا، ولن نسمح بأن يتحول أمن شعوبنا إلى ورقة بيد أي طرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى