مقالات و رأي

من ترتيب الجامعات إلى قياس أثرها: هل يكفي تصنيف شنغهاي للحكم على جودة الجامعة؟

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق
– جامعة أم القرى.
مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
يحظى تصنيف شنغهاي العالمي للجامعات (ARWU) باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية، لما يتمتع به من حضور عالمي ومنهجية تعتمد بدرجة كبيرة على مؤشرات كمية مرتبطة بالبحث العلمي والتميز الأكاديمي. ولذلك فإن تصدر جامعة الملك سعود للجامعات السعودية والعربية في تصنيف شنغهاي لعام 2026 يمثل إنجازاً سعودياً يستحق التقدير والاحتفاء، ويعكس حضوراً بحثياً وعلمياً متقدماً.

ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية لا ينبغي أن يتوقف عند من تصدر التصنيف بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية ألا وهو ماذا تقول لنا هذه النتائج عن جودة الجامعة، وجودة تعليمها، ومستوى مخرجاتها، وأثرها الحقيقي في المجتمع والاقتصاد؟

تكمن قوة تصنيف شنغهاي في تركيزه على مؤشرات البحث العلمي والتميز الأكاديمي فهو يقيس جوانب مثل الباحثين الأعلى استشهاداً، والنشر في دوريات علمية مرموقة، والأبحاث المفهرسة، والجوائز العلمية الكبرى. وهذه مؤشرات مهمة في تقييم الجامعات، لكنها لا تمثل وحدها الصورة الكاملة لمستوى المؤسسة الجامعية.

فالجامعة لا تتمثل وظيفتها في إنتاج البحوث فقط، بل تمتد مسؤوليتها إلى تعليم الطلبة وتأهيلهم، وإعداد الكفاءات التي يحتاجها سوق العمل، وإنتاج المعرفة وتوظيفها، وخدمة المجتمع، والمساهمة في معالجة التحديات التنموية. ومن هنا يصبح من الضروري النظر إلى مجموعة أوسع من المؤشرات عند الحكم على جودة الجامعة.
والسؤال : ماذا نقيس عندما نقيس أداء الجامعة؟
فمن المهم التمييز بين النشاط والمخرجات والنتائج والأثر.
فعدد البرامج الأكاديمية، وعدد الأبحاث المنشورة، وعدد الخريجين، وحجم المبادرات والتمويل، كلها مؤشرات مهمة، لكنها تصف ما قامت به الجامعة أكثر مما تكشف عن التغيير الذي حدث نتيجة لذلك.
فعلى سبيل المثال، إذا أطلقت جامعة برنامجاً لتأهيل الطلبة لسوق العمل، فإن عدد الطلبة الذين التحقوا بالبرنامج يمثل مخرجاً، لكن التقييم الأكثر أهمية يتطلب معرفة ما حدث بعد ذلك: هل تحسنت مهاراتهم؟ هل ارتفعت فرص توظيفهم؟ هل وجدوا وظائف تتناسب مع تخصصاتهم؟ وهل لمس أصحاب العمل تحسناً في مستوى كفاءتهم؟
وبالمثل، فإن زيادة عدد الأبحاث المنشورة تعد مؤشراً على النشاط البحثي، لكن من المهم أيضاً معرفة ما إذا أسهمت هذه الأبحاث في تطوير سياسات مختلفة أساليب العمل المهنية أو أنتجت حلولاً تقنية، أو أدت إلى براءات اختراع، أو نشأت عنها شراكات مع قطاعات حكومية أو خاصة.
ولو سألنا أنفسنا :كيف يمكن للجامعات قياس الأثر؟
فإن ذلك يتطلب بناء منظومة مؤسسية واضحة تبدأ بتحديد الهدف، ثم وضع مؤشرات يمكن من خلالها معرفة ما إذا تحقق التغيير المنشود.
ومن الاستراتيجيات المهمة في هذا المجال إنشاء لوحة مؤشرات (Dashboard) متوازنة تجمع بين جودة التعليم والتعلم، والبحث العلمي، والابتكار، وتوظيف الخريجين، والشراكات، وخدمة المجتمع، والاستدامة المالية والمؤسسية. وبهذا تصبح التصنيفات العالمية ( شنغهاي، تصنيف التايمز ، QS وغيرها) جزءاً من منظومة التقييم، وليست معياراً منفرداً للحكم على الأداء.
وتأتي دراسات تتبع الخريجين في مقدمة الأدوات التي يمكن أن تساعد الجامعات على معرفة جودة مخرجاتها. فمتابعة الخريج بعد التخرج لا ينبغي أن تتوقف عند معرفة حصوله على وظيفة، بل تمتد إلى نوع الوظيفة، ومدى ارتباطها بالتخصص، وسرعة الحصول عليها، ومستوى الدخل، والتطور المهني، ورأي أصحاب العمل في مستوى التأهيل الذي حصل عليه.
أما في مجال البحث العلمي، فمن المفيد تطوير مؤشرات تقيس مدى انتقال المعرفة من الجامعة إلى التطبيق، إلى جانب المؤشرات التقليدية للنشر والاستشهادات. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات براءات الاختراع، والمنتجات والخدمات الجديدة، والسياسات التي استفادت من الدراسات الجامعية، والشراكات البحثية، وحجم الاستفادة من النتائج في القطاعات المختلفة.
ومن الاستراتيجيات المهمة كذلك وضع خط أساس قبل تنفيذ البرامج والمبادرات. فالجامعة التي تريد معرفة أثر برنامج معين تحتاج أولاً إلى معرفة الوضع قبل إطلاقه، ثم قياس التغير بعد التنفيذ وعلى فترات زمنية مناسبة. وبهذه الطريقة يمكن التمييز بين مجرد تنفيذ المبادرة وبين النتائج التي ترتبت عليها.
كما يمكن الاستفادة من المقارنات المرجعية مع جامعات مشابهة، واستطلاعات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس وأصحاب العمل، وتحليل البيانات المؤسسية، ودراسات العائد الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات والبرامج، بحيث تصبح عملية التقييم أكثر ارتباطاً بالأدلة والواقع.

والأهم من جمع المؤشرات هو استخدام نتائج القياس في صناعة القرار. فإذا أظهرت البيانات ضعفاً في توظيف الخريجين، فينبغي أن تقود هذه النتيجة إلى مراجعة البرامج والمناهج والشراكات التدريبية. وإذا كشفت البيانات محدودية الاستفادة من بعض الأبحاث، فقد يكون من المناسب إعادة توجيه الدعم نحو البحث التطبيقي والشراكات مع الجهات المستفيدة. أما إذا ظهرت فجوات في تعلم الطلبة، فيجب البحث عن أسبابها ومعالجتها بدل الاكتفاء بتسجيلها في التقارير. لذلك نقول بأن التصنيف مؤشر وليس غاية، ولا شك أن تصنيف شنغهاي وغيره من التصنيفات العالمية أدوات مهمة، وتقدم للجامعات صورة عن موقعها في البيئة الأكاديمية الدولية، كما تحفزها على تحسين إنتاجها البحثي ورفع قدرتها التنافسية. لكن من المهم فهم ما يقيسه كل تصنيف، وما لا يقيسه.
فالتقدم في تصنيف يعتمد بدرجة كبيرة على البحث العلمي لا يعني بالضرورة أن الجامعة تتفوق في كل جوانب التعليم أو في جودة مخرجاتها. كما أن تراجع جامعة في الترتيب لا يعني تلقائياً أن أداءها التعليمي أو المؤسسي قد تراجع؛ فقد تتغير مراكز الجامعات نتيجة اختلاف معدلات النمو في المؤشرات التي يعتمد عليها التصنيف.

ومن هنا، فإن الإنجاز الذي تحققه الجامعات السعودية في التصنيفات الدولية يستحق الفخر، لكنه ينبغي أن يكون جزءاً من مسار أوسع لتحسين جودة التعليم والبحث والابتكار والمخرجات.
وهنا يجب أن نشير بأن التصنيف يقيس بعض مظاهر قوة الهيئة الأكاديمية، لكنه لا يخبرنا بالضرورة عن قدرة الجامعة على الاحتفاظ بأفضل أساتذتها Professors والدكاترة المتميزين واستقطاب الكفاءات، وتوفير البيئة التي تجعل الأستاذ المتميز راغباً في الاستمرار والإنتاج والعطاء ، والجامعة القادرة على صناعة المعرفة هي الجامعة المحافظة على صُناعها.

وفي النهاية، لا يكفي أن نعرف أين تقف الجامعة في التصنيف؛ بل نحتاج إلى معرفة ماذا حققت، وما الذي تغير نتيجة جهودها، وما القيمة التي أضافتها لطلابها ومجتمعها واقتصادها ومعرفتها.

فالتصنيف يمكن أن يكون أحد المؤشرات التي تساعد الجامعة على تقييم موقعها، أما قياس النتائج والأثر فهو ما يساعدها على معرفة جودة ما تقدمه، وتحديد ما يحتاج إلى تحسين، وتوجيه مواردها وقراراتها نحو ما يحقق قيمة حقيقية ومستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى