من الذي يعبث بالكيان الأهلاوي؟

بقلم: د. فهد الأحمدي
من حق جماهير الأهلي أن تسأل ومن واجب كل محب لهذا الكيان أن يرفع صوته عندما يشعر بأن هناك قرارات لا تتناسب مع حجم الطموح ولا مع تاريخ النادي.
السؤال اليوم ليس عن صفقة هنا أو لاعب هناك ولا عن مدرب رحل وجاء غيره بل عن المشروع الأهلاوي بأكمله.
من الذي يقرر؟
ومن يضع الاستراتيجية؟
ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟
ومن المستفيد من إعادة تشكيل الفريق بطريقة تجعل الجماهير تبدأ كل موسم من نقطة الصفر؟
الأهلي ليس نادياً عادياً ولا مشروعاً يمكن العبث بتفاصيله دون حساب. هو أحد أكبر أندية المملكة وجماهيره لا تبحث عن مجرد المشاركة بل تريد فريقاً ينافس على كل بطولة يدخلها.
رحيل المدرب.. هل كان بداية المشكلة؟

ماتياس يايسله لم يكن مدرباً عابراً في تاريخ الأهلي فقد قاد الفريق إلى إنجازات قارية كبيرة وأصبح اسمه جزءاً من مرحلة ناجحة في تاريخ النادي. وقد أعلن الأهلي تعيين مارينو بوسيتش خلفاً له حتى عام 2028 بعد رحيله إلى نيوكاسل.
وهنا لا تكمن المشكلة في تغيير المدرب بحد ذاته فالتغيير في كرة القدم أمر طبيعي.
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا يكون التغيير جزءاً من مشروع واضح.
إذا رحل مدرب ناجح فمن الطبيعي أن يسأل الجمهور: من البديل؟ وما فلسفة المدرب الجديد؟ وهل تم اختيار اللاعبين بما يتناسب مع أفكاره؟ وهل هناك خطة زمنية لبناء فريق أقوى؟
أما أن يتغير المدرب وتتغير معه هوية الفريق وقائمته وأسماء مؤثرة فيه فهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل نحن أمام بناء فريق جديد أم أمام هدم فريق كان قد بدأ في صناعة شخصية له؟
محرز وكيسيه.. لماذا؟
رحيل أسماء بحجم رياض محرز وفرانك كيسيه ليس حدثاً يمكن التعامل معه وكأنه مجرد حركة في سوق الانتقالات.
البيانات الرسمية المنشورة عن تحركات الأهلي في صيف 2026 تؤكد مغادرة كيسيه ومحرز مقابل دخول أسماء جديدة إلى القائمة.
والسؤال هنا ليس: هل محرز وكيسيه فوق النقد؟
بالطبع لا.
السؤال الأهم:
هل البدائل قادرة فعلاً على تعويض التأثير الفني والقيادي والخبرة التي تركها الراحلان؟
فالصفقة الناجحة ليست أن تخرج لاعباً وتدخل لاعباً.
الصفقة الناجحة هي أن تخرج لاعباً وتأتي بمن هو أفضل منه أو على الأقل بمن يستطيع أن يؤدي الدور نفسه بصورة أكثر فاعلية.
أما إذا كان النادي يخسر لاعباً يصنع الفارق ثم يستقدم لاعباً لا يملك القدرة على صناعة الفارق فهذه ليست عملية إحلال وتجديد بل تراجع في جودة الفريق مهما كان اسم الصفقة الجديدة أو قيمتها المالية.
الأهلي لا يحتاج إلى كثرة الصفقات
الأهلي لا يحتاج إلى عشرات الأسماء.
الأهلي يحتاج إلى خمسة أو ستة لاعبين يصنعون الفارق الحقيقي.
لاعب يستطيع أن يحسم مباراة مغلقة.
لاعب يملك شخصية القائد.
لاعب يتحمل الضغط.
لاعب يملك الخبرة الأوروبية أو الآسيوية.
لاعب عندما تصل الكرة إليه في الدقيقة 90 تعرف الجماهير أن شيئاً مختلفاً قد يحدث.
هذه هي الصفقات التي تصنع البطولات.
أما جمع الأسماء لمجرد القول إن النادي تعاقد مع عدد كبير من اللاعبين فهذا لا يبني فريقاً بطلاً.
كرة القدم ليست معرضاً للصفقات.
كرة القدم مشروع وهوية وشخصية وجودة.
من المستفيد؟
هنا أصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
من المستفيد من تجريد الأهلي من عناصره المؤثرة؟
لا أملك دليلاً يسمح لي باتهام شخص أو جهة بعينها ولذلك لا يمكن أن أقول إن هناك طرفاً محدداً يتعمد الإضرار بالنادي.
لكن من حق الجماهير أن تسأل الإدارة والجهات المسؤولة:
لماذا يرحل اللاعب المؤثر؟
لماذا لا تكون البدائل بمستوى الراحلين؟
لماذا يتكرر تغيير الاتجاه الفني؟
من يحدد احتياجات الفريق؟
هل القرار فني بحت؟
هل المدير الفني هو صاحب القرار؟
أم المدير الرياضي؟
أم الإدارة؟
أم أن هناك قرارات تأتي من خارج المنظومة الفنية؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً لأحد بل هي حق مشروع لجمهور دفع من عمره وماله ووقته وحبه لهذا النادي.
الأهلي أكبر من الأشخاص
هناك خطأ يقع فيه كثيرون عندما يربطون النادي بشخص.
المدرب سيرحل.
اللاعب سيرحل.
الرئيس سيتغير.
المدير الرياضي قد يتغير.
لكن الأهلي سيبقى.
ولهذا يجب أن يكون القرار دائماً لمصلحة الكيان وليس لمصلحة شخص أو مجموعة أو وكيل أو اجتهاد مؤقت.
إذا كان اللاعب غير مناسب فليغادر.
إذا كان المدرب غير مناسب فليتغير.
لكن يجب أن يكون هناك معيار واضح وخطة معلنة، ومحاسبة على النتائج.
لا نريد أن نبدأ من الصفر كل موسم
أخطر ما يمكن أن يحدث للأهلي هو أن يصبح كل موسم مشروعاً جديداً.
مدرب جديد.
أجانب جدد.
أفكار جديدة.
تشكيلة جديدة.
ثم بعد أشهر تبدأ الانتقادات ويقال إن المدرب لم يجد الوقت الكافي و اللاعبين يحتاجون إلى الانسجام وإن المشروع يحتاج إلى موسم آخر.
ثم يأتي موسم جديد وتبدأ الدائرة من جديد.
إلى متى؟
الأندية الكبيرة لا تبني نجاحها بهذه الطريقة.
الأندية الكبيرة تبني منظومة.
تحدد هويتها.
تختار مدربها وفق تلك الهوية.
تختار اللاعبين وفق احتياجات المدرب.
ثم تمنح المشروع الوقت الكافي.
والأهم من ذلك كله: تحاسب من أخطأ.
جماهير الأهلي لا تطلب المستحيل
الجمهور الأهلاوي لا يطالب بأن يفوز الفريق بكل مباراة.
ولا يطلب أن تكون كل صفقة عالمية.
ولا يرفض التغيير.
ما يريده ببساطة هو أن يرى منطقية في القرارات.
يريد أن يعرف لماذا رحل هذا اللاعب؟
ولماذا جاء البديل؟
وما الخطة؟
وإلى أين يسير الفريق؟
الجمهور يستطيع أن يتقبل الخسارة عندما يرى فريقاً يقاتل.
ويستطيع أن يتقبل رحيل لاعب عندما يرى بديلاً أفضل.
ويستطيع أن يمنح المدرب الوقت عندما يرى مشروعاً واضحاً.
لكن ما لا يستطيع تقبله هو أن يرى فريقاً كان يمتلك عناصر القوة ثم يفقدها دون أن يرى تعويضاً يوازي حجم الفقد.
رسالة إلى صناع القرار
الأهلي اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضبابية.
يحتاج إلى وضوح.
وضوح في المسؤوليات.
وضوح في الصلاحيات.
وضوح في المشروع.
وضوح في التعاقدات.
ووضوح في أهداف الموسم.
ومن حق جماهير الأهلي أن تعرف: من يملك القرار الرياضي؟
لأن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لأي نادٍ كبير هو أن تكون المسؤولية موزعة بين عدة جهات بينما عندما تأتي النتائج السلبية لا يعرف أحد من يتحمل المسؤولية.
وفي النهاية…
الأهلي ليس ملكاً للاعب ولا للمدرب ولا للإدارة.
الأهلي ملك لجماهيره وتاريخه وكيانه.
ومن يحب الأهلي لا يريد هدم ما بُني ولا يريد العودة إلى المربع الأول.
نحن لا نرفض التغيير لكننا نرفض التغيير بلا رؤية.
ولا نرفض رحيل اللاعبين لكننا نرفض رحيل عناصر القوة دون تعويض يوازيها.
ولا نرفض المدرب الجديد لكننا نريد أن نعرف ما المشروع الذي جاء من أجله؟
الأهلي يمتلك جماهير قادرة على صناعة الفارق ويمتلك اسماً كبيراً وتاريخاً عظيماً وإمكانات تؤهله ليكون دائماً في القمة.
لكن القمة لا تُبنى بالارتجال.
فمن يعبث بالكيان الأهلاوي؟
السؤال ليس اتهاماً لأحد…
بل هو دعوة إلى كشف الحقيقة.
ومن يملك القرار في الأهلي عليه أن يملك الشجاعة أيضاً ليقول للجماهير:
هذه خطتنا وهذه مسؤولياتنا وهذا هدفنا وهذا حسابنا عندما ننجح أو نفشل.
فالأهلي أكبر من أن يكون ساحة للتجارب…
وأكبر من أن يُجرّد من عناصر قوته ثم يُطلب من جماهيره أن تصمت.
الأهلي يحتاج إلى من يبني له المستقبل لا إلى من يجعله كل عام يبحث عن نفسه من جديد



