حين يصبح الغياب حكاية لا تنتهي

✍️ نجوى عقيلي
ليس فقد الأب مجرد غياب شخص عزيز .. بل هو فقدان جزء من الذاكرة وركن من أركان الأمان ووجه اعتدنا أن نراه في تفاصيل أيامنا دون أن نفكر يوم من ايامنا يأتي ولا نجده.
رحل والدي وبقيت بعده تفاصيل كثيرة لا تعرف الرحيل صوته الذي ما زال يتردد في الذاكرة وفي اركان البيت و ملامحه التي تحفظها العين ومواقفه التي أصبحت مع مرور الأيام أكثر حضورا من ذي قبل..
فبعض الأشخاص حين يغادرون الحياة لا يغادروننا بل يتحولون إلى أثر يسكن فينا.
كان أبي بالنسبة لي أكثر من أب كان سندا وطمأنينة وذاكرة عمر كان وجوده يمنح الأشياء البسيطة معناها ويجعل للحياة وجها أكثر هدوءا.
بعد رحيله أدركت أن الإنسان قد يعتاد النعم إلى درجة أنه لا ينتبه إلى عظمتها إلا عندما تصبح ذكرى.
في فقد الأب تتغير أشياء كثيرة تصبح المناسبات ناقصة وتتحول بعض الأماكن إلى محطات للحنين وتأتي لحظات نتمنى فيها لو نستطيع أن نعود لدقائق قليلة فقط لنسمع صوته أو نجلس إلى جواره أو نحكي له عن تفاصيل يومنا كما كنا نفعل لنسمع نبرات صوته .
والأصعب أن الحياة تستمر رغم الفقد تشرق الشمس وتمضي الأيام وتنشغل بنا الحياة لكن في القلب مساحة لا تشبهها أي مساحة مساحة يحتفظ بها الإنسان لمن رحلوا وكانوا جزء من روحه.
رحم الله أبي فقد علمني رحيله أن المحبة الحقيقية لا تنتهي بالموت وأن الدعاء قد يكون أجمل ما نقدمه لمن نحب بعد الرحيل لذلك كلما اشتقت إليه رفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم اغفر لأبي وارحمه وآنس وحشته ونور قبره واجعل قبره روضة من رياض الجنة وارفع درجته في المهديين.
قد غاب وجهه عن عيني ولكنه لم يغب عن قلبي سيظل حاضر في دعائي وفي ذكرياتي وفي كل موقف أتذكر فيه شيئ تعلمته منه.
رحلت يا أبي لكن أثرك باق وسيرتك باقية ومحبتك كما هي وكأنك لم ترحل ..
وما بين الفقد والحنين يبقى الدعاء هو الجسر الذي يصلنا بمن نحب.
رحم الله والدي فقيدي الذي علمني غيابه أن بعض الأحبة لا يغادروننا بل يسكنون في أعماقنا إلى الأبد.



