مقالات و رأي

بين الجدارة والنجاح: الحلقة المفقودة في القيادة الأكاديمية

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق– جامعة أم القرى.
مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
كثيرًا ما يطرح علي بعض المتدربين سؤالاً لافتاً: إذا كان فلان يمتلك مقومات القائد الأكاديمي ويتمتع بالكاريزما والحضور القيادي، فلماذا لا يُرشَّح لتولّي بعض المناصب القيادية؟ وجوابي في الواقع ليست كل كفاءة أكاديمية مؤهلة بالضرورة للقيادة، كما أن الوصول إلى منصب قيادي لا يعني امتلاك أدوات القيادة. هذه الفكرة تفرض نفسها عند قراءة كتاب «الحضور التنفيذي: الحلقة المفقودة بين الجدارة والنجاح» للمؤلفة سيلفيا آن هيوليت، الذي يناقش جانباً مهماً في مسار القيادات، وهو الفارق بين امتلاك المؤهلات والقدرة على تحويلها إلى حضور وتأثير وثقة.
تقوم الفكرة الأساسية للكتاب على أن الجدارة وحدها لا تكفي. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة، وخبرة طويلة، وسجلاً مهنياً متميزاً، ومع ذلك لا ينجح بالقدر المتوقع عندما ينتقل إلى موقع قيادي. والسبب أن القيادة تتطلب، إلى جانب المعرفة والخبرة، القدرة على التعامل مع المواقف، واتخاذ القرار، والتواصل، وبناء الثقة لدى الآخرين.
وهنا تحديداً تظهر أهمية المفهوم الذي تطرحه هيوليت تحت مسمى الحضور التنفيذي، والذي يرتبط بثلاثة عناصر رئيسية: الهيبة القيادية، والتواصل، والمظهر المهني. ويأتي مفهوم الهيبة القيادية في مقدمة هذه العناصر؛ لأنها تتصل بثقة القائد بنفسه، وقدرته على الحكم السليم، والتعامل مع الضغوط، واتخاذ القرار في المواقف الصعبة.
وعند إسقاط هذا المفهوم على البيئة الجامعية، نجد أنه أكثر أهمية مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالجامعة مؤسسة تختلف عن كثير من المؤسسات؛ لأنها تضم خبرات علمية متخصصة، وأعضاء هيئة تدريس يتمتعون باستقلالية أكاديمية، وطلاباً، وباحثين، وإداريين، وشركاء من خارج الجامعة. ولذلك فإن قيادة الجامعة لا يمكن أن تعتمد على السلطة الإدارية وحدها.
فالمنصب يمنح صاحبه الصلاحية، لكنه لا يمنحه تلقائياً الثقة.
وهذه نقطة جوهرية في القيادة الأكاديمية. فرئيس الجامعة أو العميد أو رئيس القسم قد يمتلك الصلاحيات النظامية لاتخاذ القرار، لكن نجاح القرار يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القائد على بناء الفهم حوله، وإدارة الاختلاف، والاستماع إلى الآراء المختلفة، ثم اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
ومن هنا فإن التواصل القيادي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مهارة خطابية فقط. التواصل في الجامعة هو جزء من عملية الإدارة نفسها. فالاستراتيجية التي لا يفهمها العاملون تظل وثيقة، والقرار الذي لا يعرف الناس أسبابه قد يتحول إلى مصدر مقاومة، أما القرار الواضح المرتبط بهدف مؤسسي محدد فيكون أكثر قابلية للتنفيذ.
كما أن القيادة الأكاديمية تحتاج إلى قدر من الاتزان في التعامل مع الأزمات والخلافات. فالجامعة بيئة طبيعية للاختلاف في الرأي، ولا يمكن أن تكون القيادة الناجحة هي التي تمنع الاختلاف، بل التي تستطيع إدارته بطريقة تحفظ المؤسسة وتحترم أصحاب الرأي.
ومن هذا المنظور، فإن اختيار القيادات الجامعية وتطويرها يحتاج إلى مراجعة مستمرة. فالمعايير الأكاديمية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون وحدها أساس الاختيار. الإنتاج العلمي والخبرة التدريسية والخدمة الأكاديمية مؤشرات مهمة على الجدارة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال: هل يستطيع صاحب هذه الجدارة قيادة الآخرين؟
وهنا أرى أن الجامعات بحاجة إلى توسيع مفهوم إعداد القيادات ليشمل مهارات اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، والتواصل المؤسسي، وإدارة الاختلاف، وبناء الثقة، وربط الخطط الاستراتيجية بالتنفيذ. كما ينبغي أن تكون هناك مساحة حقيقية للتغذية الراجعة، حتى يعرف القيادي كيف ينظر إلى أدائه، وما الجوانب التي يحتاج إلى تطويرها.
والأهم ألا يتحول مفهوم الحضور التنفيذي إلى اهتمام بالشكل على حساب الجوهر. فالحضور لا يصنع قائداً ناجحاً إذا لم تستند إليه المعرفة والنزاهة والإنجاز. القائد الذي يجيد الحديث ولا يحقق نتائج لن يستطيع المحافظة على ثقة المؤسسة طويلاً.
لذلك فإن العلاقة بين الجدارة والحضور والنجاح ليست علاقة شكلية، بل هي سلسلة متكاملة: الجدارة تمنح القائد أساساً، والحضور يساعده على إيصال هذه الجدارة والتأثير بها، والنتائج تثبت قيمة ما يفعله.
وفي الجامعات تحديداً، ربما نحتاج إلى الانتقال من سؤال: من هو الأكثر تأهيلاً؟ إلى سؤال أوسع: من هو الأكثر قدرة على توظيف تأهيله في قيادة المؤسسة وتحقيق أهدافها؟
فبين الجدارة والنجاح حلقة لا ينبغي تجاهلها: أن تكون مؤهلاً للقيادة أمر، وأن يثق الآخرون بقدرتك على ممارستها أمر آخر.
وهذه هي المساحة التي تبدأ فيها القيادة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى