مقالات و رأي

حين يرقص الوجع: الموالد والدروشة وصناعة الأمل

عدنان عيسى العمري
باحث تاريخي _ باحث في التراث

لا تمثّل الموالد الشعبية وحلقات الدروشة مجرد ممارسات طقسية أو تجليات دينية معزولة، بل يمكن النظر إليها بوصفها ظاهرة اجتماعية ونفسية وثقافية مركّبة، نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، وأدت وظائف تتجاوز التعبد المباشر، فهي مساحة للتكيف مع قسوة الحياة، والتنفيس النفسي، والتكافل الاجتماعي، والإشباع الروحي والترفيه.
ويبرز الجانب النفسي في بحث الإنسان عن الطمأنينة والأمل وسط ضغوط الحياة اليومية. فالذكر والإنشاد والوجد والبكاء الجماعي قد توفر مساحة للتعبير عن المشاعر وتفريغ التوتر، بما يمنح المشارك شعورًا بالراحة والتحرر من أعباء الواقع. ولذلك لا يصح اختزال هذه الممارسات في مجرد هروب من الواقع، بل يمكن النظر إليها بوصفها إحدى وسائل التكيف معه.
أما اجتماعيًا، فتؤدي الموالد دورًا في كسر العزلة وإعادة بناء الروابط بين الناس، ففي فضائها تتراجع مؤقتًا بعض الفوارق المرتبطة بالثروة والمكانة والمهنة، ويجتمع الجميع في تجربة جماعية واحدة. كما ترافقها في كثير من المجتمعات موائد الطعام والصدقات وأشكال التكافل، لتتحول إلى حاضنة اجتماعية تمنح الفئات الأكثر هشاشة شعورًا بالانتماء والأمان.
وعلى المستوى الروحي، تقدم الموالد نمطًا من التدين الشعبي يقوم على المحبة والرجاء والتجربة الوجدانية يتجسد فيه الأمل في البركة والكرامة والشفاء وانفراج الكرب.
ولا تقف هذه التجربة الوجدانية عند حدود الذكر والإنشاد وما يصاحبهما من مشاعر الرجاء والابتهال، بل تمتد في بعض تقاليد الدروشة إلى المظهر الخارجي أيضًا، ليصبح اللباس جزءًا من التعبير عن الحالة الروحية والهوية الجماعية. فالخِرَق والملابس المرقعة لم تكن في بعض التقاليد مجرد ثياب بالية، بل حملت دلالات رمزية تتصل بالزهد والتجرد من زخارف الدنيا، وإعلانًا عن البساطة ورفض التفاخر بالمظهر والمكانة. وهكذا أصبح الثوب، إلى جانب الذكر والحركة والإنشاد، جزءًا من لغة رمزية تعبّر عن الانتماء والتجرد.
كما استمدت الموالد استمرارها من كونها موروثًا اجتماعيًا وثقافيًا تتناقله الأجيال، فتحولت في بعض المجتمعات إلى ما يشبه المهرجان الشعبي الذي تتجاور فيه القداسة والبهجة، ويجتمع الذكر والإنشاد مع الطعام والأسواق وألعاب الأطفال والترفيه.
من هنا تبدو الموالد والدروشة ظاهرة متعددة الوظائف، فهي تمنح الإنسان مساحة للتعبير، وقد تساعده على التكيف مع واقعه وقبوله، أو الهروب منه مؤقتًا، أو إعادة تفسيره ومنحه معنى!
وفي النهاية، يجد البسطاء في هذه الفضاءات، كلٌّ بحسب حاجته وتجربته، خبزًا لجوعهم، وسكينةً لقلقهم، وأملًا في غدهم، ومساحةً تمنح وجودهم دفئًا ومعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى