ليلة ماطرة في الثمانينات الهجرية

بقلم حسن حبيبي
في أواخر فصل الخريف، الذي يوافق شهر سبتمبر، كان الموسم يوشك على الرحيل. وفي ذلك العام لم تأتِ السيول المنقولة التي اعتاد المزارعون انتظارها، فتضاءل الأمل في ري الأراضي، وبدأ الناس ينتظرون موسم «المخرط» في الشتاء.
لكن قبيل مغرب أحد الأيام، ظهرت من جهة البحر سحب سوداء متراكمة، وسرعان ما لمع البرق، وتعالى الرعد، وهبت الرياح، ثم انهمر المطر.
في تلك الأعوام، كانت غالبية مساكن أهل تهامة من العشش المبنية من الجريد والأخشاب، والمكسوة بالثمام والإجليل. وكانت أبوابها بسيطة من الخشب وحصير الدوم؛ فإذا اشتدت الرياح قام أهل العشة بإمساك الباب ودفعه من الداخل، حتى لا تلقي به الريح عليهم أو تقتلعه وترمي به خارجًا.
وحين يعرفون أن الليلة ستكون ماطرة، تبدأ ربة البيت استعدادها؛ فتُدخل الحطب والحشائش الجافة إلى العشة، وتحفظ كل ما يُخشى عليه من البلل، وتغطي الموافي والتنانير وتُدخل بعض المواشي كالضأن والبقر في الاماكن المخصصة لها.
فإذا اشتد المطر، وتعالى الرعد، وتتابع البرق، واشتدت هبات الهواء، سكنت النفوس وارتفعت الألسن بالتسبيح والتهليل. يجتمع الصغار حول أمهم، ويتناوب الكبار على تثبيت الباب، بينما ينتظر رب الأسرة أن يخف المطر قليلًا لينطلق في الظلام، يتفقد الأرض ومسارات الماء؛ فهذه الليلة قد تكون آخر فرصة لري أرضه في ذلك الموسم.
وحين يخف المطر، تخرج ربة البيت بالسراج، وتشعل «الميفا» بما حفظته من حطب جاف، وتخبز العيش، بينما يكون الإدام قد أُعد على الفحم. ثم تجتمع الأسرة على عشاء بسيط، وقطرات المطر لا تزال تتساقط رويدًا رويدًا.
ولم تكن كل العشش تسلم؛ فقد يدخل الماء إلى بعضها، وقد يندب السقف بالماء فوق أهلها، وربما تسقط العشة القديمة إذا اشتد المطر والهواء. وبعض الأسر تكون قد استعدت بالطعام، وأخرى قد تنام ليلتها بلا عشاء.
لكن مع إشراقة الصباح يُنسى كل ذلك.
يخرج الناس فرحين، وينظر المزارع إلى أرضه وقد ارتوت، ويشم رائحة التراب المبتل بعد المطر، ويرى في تلك الأرض رزق الأيام القادمة.
عندها يصبح تعب الليلة كله ذكرى، وترتسم الابتسامة على الوجوه، وكأن الجميع يقول:
الحمد لله.. بفضل الله وقدرته ضمنّا قوت سنتنا.



