ثلاثة عروض مسرحية في ثالث أيام مهرجان ظفار الدولي للمسرح

سلمى حسن
شهدت الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح في يومه الثالث تقديم ثلاثة عروض مسرحية ضمن مساراتها المختلفة، جمعت بين التجارب الجورجية والتونسية والعُمانية، وقدمت رؤى فنية وفكرية تناولت أسئلة الإنسان المعاصر، والبحث عن الذات، ووهم السلطة والخلود، وأزمات الحياة الحديثة.
“أزيف نفسي”.. الجسد في مواجهة ضجيج العالم والبحث عن الذات

وقدّمت المسرحية الجورجية “أزيف نفسي” عرضها ضمن منافسات مسابقة العروض الكبرى، على مسرح مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة، مستعرضة رحلة الإنسان في البحث عن ذاته وسط عالم تتسارع فيه المؤثرات والصور والمعلومات.
وانطلق العرض من فكرة مفادها أن كل روح تأتي إلى العالم محمّلة بمعنى وغاية ومسار خاص، غير أن الإنسان يفقد مع مرور الوقت صلته بذاته، في ظل ضجيج الحياة وتدفق المعلومات والمؤثرات الخارجية التي تحاصره من كل جانب.
ورصد العرض، من خلال مجموعة من الراقصين، صراع الإنسان مع هذه المؤثرات المتزايدة، في مقابل تراجع صوته الداخلي الذي يحاول إرشاده إلى حقيقته، ومع تصاعد الصراع بدت الشخصيات محاصرة أمام شاشات العالم، وقد ابتعدت عن ذواتها وفقدت المساحة التي تمنحها السكون والتأمل.
وطرح العمل سؤالًا وجوديًا حول قدرة الإنسان على استعادة صلته بذاته وتذكّر الغاية التي جاء من أجلها، قبل أن يُسدل الموت ستاره ويعود الإنسان إلى الصمت من جديد.
“الهاربات”.. المسرح ملاذًا من صخب العالم ووهم السعادة

وعلى مسرح أوبار بصلالة، شهد مسار مسابقة مسرح النخبة تقديم المسرحية التونسية “الهاربات”، التي طرحت قراءة إنسانية وفكرية لأزمات الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية والاجتماعية.
ورصدت المسرحية التحولات التي طرأت على السلوك الإنساني والنفسية البشرية في أعقاب جائحة “كورونا”، إلى جانب تداعيات الحروب والأزمات الاقتصادية، في ظل هيمنة التكنولوجيا والتسارع المادي والمكننة، وما رافق ذلك من اغتراب نفسي وتباطؤ وجداني ودوران في متاهة وجودية معقدة.
وتساءل العرض عن مفهوم السعادة ومدى تحولها إلى وهم في ظل انغماس المجتمعات في الاستهلاك والرفاهية المادية على حساب الاحتياجات النفسية والعاطفية، مقدّمًا دعوة إلى إعادة الاعتبار للإنسان في لحظات ضعفه وغضبه وفرحه، والتوقف عند حدود الألم الإنساني قبل أن يتحول إلى حالة من التبلد والاعتياد.
وحمل عنوان المسرحية دلالة على الهروب الإيجابي نحو خشبة المسرح، بوصفها ملاذًا فكريًا ونفسيًا من صخب العالم والعنف المادي والمعنوي، ومساحة للبحث عن الحقيقة والسكينة.
وأوضحت المخرجة التونسية وفاء الطبوبي أن العرض انطلق من واقع القضايا الاجتماعية في الشارع العربي والتونسي، ليتقاطع مع أزمات إنسانية عالمية، من بينها هشاشة سوق العمل، وتراجع التشريعات الضامنة لحقوق العمال، وتفاقم الضغوط المعيشية.
وأعربت الطبوبي عن امتنانها لمشاركتها في مهرجان ظفار الدولي للمسرح، التي مثّلت تجربتها الأولى في سلطنة عُمان ومحافظة ظفار، مشيرة إلى أن المهرجان أتاح مساحة للحوار الثقافي والتبادل الفني المباشر بين التجارب العربية والأجنبية المشاركة.
“مسامير الخلود”.. كوميديا سوداء عن وهم السلطة والتشبث بالمقاعد

وفي المسار الثالث “مسابقة مسرح ظفار”، شهد مسرح المروج بصلالة تقديم عرض “مسامير الخلود” لفرقة الأصالة للفنون المسرحية بسلطنة عمان، من تأليف وإخراج أحمد الجابري، وبطولة الشريف حسين بن علي العمري، وحسام هبيس، وعلي الكثيري، وسط حضور جماهيري.
وتناول العرض ظاهرة الغش والخداع، وتشَبُّث بعض البشر بالسلطة والمقاعد، من خلال سؤال رمزي: “كيف تريد شكل مقعدك؟”، لتبدأ رحلة تكشف أوهام البحث عن الخلود والتشبث بالمواقع والمكاسب.
ودارت أحداث المسرحية داخل ورشة قديمة ومتهالكة يعمل فيها ثلاثة نجارين، تجمعهم الرغبة في تحقيق المكاسب بأساليب ملتوية، من خلال خداع الزبائن وإصلاح الكراسي المحطمة بالغراء، قبل أن تتغير أجواء الورشة بعد استماعهم إلى خبر إطلاق مسابقة لصناعة “كرسي الملك”، لتبدأ بينهم منافسة حادة للوصول إلى الفوز.
وامتزج العرض بين الكوميديا السوداء والرمزية الفلسفية، إذ تحولت الورشة إلى صورة مصغرة لعالم تحكمه الرغبة في المكاسب والتشبث بالمواقع، فيما أصبح الغراء المستخدم لإصلاح الكراسي رمزًا لمحاولات إخفاء العيوب وتغطية الطمع.
وأكد المخرج والمؤلف أحمد الجابري أن العمل لم يستهدف تقديم حكاية تقليدية لثلاثة نجارين، وإنما سعى إلى جعل الورشة مرآة لعالم بشري مليء بالزيف، موظفًا الرمزية والكوميديا السوداء لطرح أسئلة حول علاقة الإنسان بالسلطة والمكان والمكاسب.
وتكاملت العروض الثلاثة في تقديم مشهد مسرحي متعدد اللغات والرؤى، انتقل من رحلة البحث عن الذات في التجربة الجورجية، إلى تفكيك وهم السعادة في التجربة التونسية، وصولًا إلى نقد التعلق بالسلطة والخلود في التجربة العُمانية، بما عكس التنوع الفني والفكري الذي تشهده الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح.


