المغرّد السعودي.. حين يكون الانتماء باعثًا والحجة سلاحًا

– أحمد الفيفي .
ليس من اليسير أن تواجه روايةً مضللةً وقد سبقتك إلى آلاف العقول، أو أن تُصحح مفهومًا خاطئًا بعدما استقر في أذهان أصحابه. غير أن للكلمة سلطانًا متى صدقت، وللحجة نفاذًا متى أحكمت، وللوعي أثرًا يتجاوز صخب المنصات وضجيجه.
وفي هذا الفضاء المتسع، برز المغرّد السعودي بصوته وحضوره، يحمل لوطنه محبةً لا تستجدي مناسبة، ووفاءً لا ينتظر تكليفًا. فإذا طالت وطنه مغالطة، أو استهدفت مواقفه رواية مضللة، وجد في قلمه لسانًا لانتمائه، وفي معرفته سندًا لحجته، وفي وعيه ما يعينه على تفنيد الادعاءات وإظهار الحقائق.
ولعل أسمى ما في هذا الحضور أنه ينبع من ولاءٍ أصيل، وحرصٍ عميق، وشعورٍ راسخ بالمسؤولية تجاه وطنٍ يسكن الوجدان قبل أن تحدّه الجغرافيا. فالسعودي حين يذود عن بلاده بالكلمة، يستحضر تاريخًا يعتز به، وأمنًا يعرف قدره، ومنجزاتٍ يشهد أثرها، ومكانةً يحرص على صونها. ومن هذه المعاني تستمد كلمته حرارتها، ومواقفه صدقها، وحجته قوة باعثها.
وقد تحدّث وزير الإعلام سلمان الدوسري، في لقاءٍ سابق، عن دور المغرّد السعودي في الدفاع عن وطنه، ومواجهة الخطاب الإعلامي المعادي بالشجاعة والمنطق والحجة؛ وهي معانٍ تختصر جوهر التأثير الواعي في فضاءٍ تتزاحم فيه الروايات، وتختلط الحقائق بالتأويلات، وتتسلل المغالطات إلى عقول المتلقين.
غير أن صدق الانتماء، على جلال قدره، يستلزم سعة معرفة، ورجاحة عقل، ودقة استدلال؛ فالحماسة إذا سبقت التثبت أضعفت الموقف، والمبالغة إذا خالطت الحقيقة أوهنت الحجة. وكم من شائعة أسقطها دليل قاطع، وكم من مغالطة بددها بيان محكم، وكم من ضجيج خفت أمام حقيقة قيلت في موضعها!
وتتجاوز رسالة المغرّد السعودي حدود التصدي للإساءات وملاحقة الشائعات؛ فله في صناعة الوعي ميدان أرحب، وفي التعريف بوطنه وتاريخه ومنجزاته ومواقفه أثر أبقى. وقد يكون بناء المعرفة في عقول المتلقين أجدى من استنزاف الجهد في مجادلة أصحاب الادعاءات؛ إذ إن التأثير الحقيقي يُقاس بما يرسخ من حقائق، وما يتبدد من أوهام، وما يستقر في الأذهان من فهم وبصيرة.
ومن تمام هذا الوعي إدراك أن الدفاع عن الوطن يتسع للنقد المسؤول، وأن صدق الحرص على المصلحة العامة يقتضي إنصاف الحقيقة، وإبراز المنجز، والتنبيه إلى مواطن الخلل بأمانة وتجرد. فالمصداقية رأس مال الكلمة، والحجة تفقد سلطانها حين تفارق الدليل، مهما بلغت فصاحتها واشتدت عبارتها.
إن قوة المغرّد السعودي تتجلى في وعيه بما يكتب، وتثبته مما ينقل، وحكمته في اختيار مواقفه؛ وفي قدرته على مخاطبة العقول، وإحكام الاستدلال، ومقارعة الادعاء بالبرهان. فليس كل انتشار تأثيرًا، ولا كل جدل انتصارًا، وإنما الأثر فيما تُثبته الكلمة من حقيقة، وتُقيمه الحجة من يقين.
وهكذا يبقى الانتماء باعثًا، والوعي بصيرةً، والحجة قوةً، والمصداقية حصنًا للكلمة. وحين تجتمع هذه المعاني في قلم المغرّد السعودي، يصبح دفاعه عن وطنه أبلغ من ضجيج الخصومة، وأرسخ من انفعال اللحظة؛ فالوطن الذي يسكن القلب محبةً، يستحق أن تحرس حقيقته عقولٌ واعية، وأن تذود عن مكانته أقلامٌ صادقة، وأن تنتصر له حججٌ لا تنقضها المغالطات ولا توهنها الشائعات.



