وفي الأزمات تظهر الحقائق الغائبة

الدكتور / عمرو بسيوني
http://@ AABasuony
في كل مرة تمر بها المملكة العربية السعودية بمرحلة حساسة أو أزمة إقليمية أو إعلامية، تتكشف الحقائق وتسقط الأقنعة، وتظهر وجوه لم تكن يومًا مخلصة، رغم أنها عاشت بيننا، وأكلت من خير هذا الوطن، وصنعت اسمها وصوتها وانتشارها من منصاته ومؤسساته. كم هو مؤلم أن ترى من احتضنته السعودية يومًا، ومنحته الفرصة والكرامة والانتشار، يقف اليوم متفرجًا ببرود، أو متحدثًا بنبرة استعلاء، أو مختبئًا خلف قناع “الحياد”، وكأن الوفاء خيار إضافي لا أصل له. لا أحد يُلام حين يدافع عن وطنه، فهذا حق وواجب، لكن الكارثة الحقيقية حين يتدخل في هذا الشأن من لا علاقة له به أصلًا، ومن لم يكن له هذا الحضور ولا هذه المكانة لولا هذا البلد. هنا لا يمكن تبرير ما يحدث باختلاف وجهات نظر، لأن الأمر يتجاوز الرأي إلى نكران للجميل وذاكرة انتقائية تمحو كل فضل عند أول اختبار.
لقد شاهدنا نماذج عديدة لأشخاص صُنعت لهم النجومية عبر منصات إعلامية سعودية كبرى، وفتحت لهم الأبواب، ومُدّت لهم المساحات، ثم ما إن تغيّرت الظروف أو انتهت المصالح، حتى انقلب خطابهم إلى هجوم واستفزاز وتشكيك. بعضهم ظهر
يهاجم السعودية دون خجل، متناسيًا أن اسمه لم يكن ليُعرف عربيًا لولا منصة سعودية قدّمته للجمهور، وبعضهم اختار أن يوزّع الشكر يمينًا ويسارًا متجاهلًا سنوات طويلة من الدعم والاحتضان، وكأن الامتنان يُمنح حسب الاتجاه السياسي لا حسب الحقيقة. وهناك من كشفت تغريدة واحدة فقط حجم الأجندة التي يحملها، وكمية الاستعداد للإساءة مقابل تصفيق عابر. هذه النماذج، مهما اختلفت صورها، تتفق في جوهر واحد: نكران المعروف. والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن من يهاجم وطنًا أحسن إليه، لن يكون وفيًا لأي وطن آخر، ومن يغدر مرة سيفعلها مجددًا، لأن الخلل في القيم لا في الجغرافيا.
وكم هو مؤلم أن نكتب عن هذه المشاهد ونحن نشاهد هذا الكم من الاستفزاز يتكرر بلا خجل. أكتب هذا المقال وأنا أشعر بقدر كبير من الانزعاج والألم، ليس لأن السعودية تُستهدف — فهي أقوى وأرسخ من أن تهزها أصوات ناكرة — بل لأن الخذلان حين يأتي ممن عاش بيننا يكون أشد قسوة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الواضحة التي لا جدال فيها: من يقف خلف هذا البلد العزيز هم أبناؤه، الذين لا يعرفون الحياد حين يُستهدف وطنهم، ولا يساومون على كرامته. وهنا يجدر التأكيد على أن مصير أولئك الخونة قليلي وعديمي الوفاء معروف؛ انتهوا وانتهى تأثيرهم، ولم يعد لهم حضور حقيقي ولا قيمة، لأن التاريخ لا يحتفظ بأسماء الغادرين، ولا يخلّد إلا من وقف موقفًا شريفًا وقت الشدة. فالسقوط الأخلاقي لا يُعوّضه ضجيج إعلامي ولا تصفيق عابر.
كما لا يمكن إنكار وجود نماذج مشرّفة من غير السعوديين، فهموا معنى الوفاء، وردّوا الجميل، ووقفوا الموقف الصحيح في وقته، وهؤلاء محل احترام وتقدير. لكن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية وصنّاع القرار في كل مجال: أن يعيدوا النظر في خياراتهم، وأن يركزوا على أبناء هذا الوطن تمكينًا وتطويرًا وصناعة للقيادات، فهم الاستثمار الحقيقي والأكثر أمانًا. وإن كانت هناك حاجة لكفاءات أجنبية، فليكن الهدف واضحًا ومحددًا: نقل الخبرة وبناء الإنسان السعودي، لا صناعة متسلقين يجنون من هذا الوطن ثم يقفون ضده عند أول منعطف. وكل ذلك من أجل أن تظل المملكة العربية السعودية شامخة بأبنائها، منيعة بقيمها، ثابتة في وجه كل من ينكر المعروف، وماضية بثبات نحو مستقبل يليق بتاريخها ومكانتها، آمنة ومستقرة تحت قيادتها الرشيدة، ومتألقة كما عهدناها دائمًا.



