مقالات و رأي

مهرجان سباق الهجن في قرية اليتمة ودوره في إحياء الموروث الثقافي

الباحث التاريخيّ / عدنان العمري

يُعدّ سباق الهجن أحد أبرز الممارسات التراثية المتجذّرة في الذاكرة الثقافية للمجتمع، لما يحمله من دلالات تاريخية عميقة تعكس علاقة الإنسان ببيئته الصحراوية، وتجسّد منظومة من القيم الأصيلة المرتبطة بالصبر، والقوة، والانتماء، والاعتزاز بالموروث. ولم يكن سباق الهجن يومًا مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل ممارسة اجتماعية أسهمت في تشكيل الهوية المحلية، ورسّخت حضور الإبل بوصفها عنصرًا مركزيًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الجزيرة العربية.

وفي العصر الحديث، اكتسب سباق الهجن بعدًا وطنيًا أوسع، إذ تحوّل إلى أحد المسارات الفاعلة في تعزيز الهوية الوطنية، من خلال ربط الماضي بالحاضر، وإعادة تقديم الموروث الشعبي ضمن أطر تنظيمية حديثة، تُسهم في استدامته وتفعيله في الواقع المعاصر. فالهوية الوطنية لا تقوم على استحضار الذاكرة وحدها، بل تتعزّز عبر ممارسة الموروث وتداوله بوصفه جزءًا حيًا من الحياة الاجتماعية، وهو ما يجسّده سباق الهجن بوضوح.

وفي هذا السياق، تأتي رؤية الدولة تجاه التراث بوصفها رؤية شاملة تهدف إلى صون الموروث الثقافي، المادي وغير المادي، ودمجه في مسار التنمية الوطنية. وقد حظي مهرجان سباق الهجن في قرية اليتمة باهتمام رسمي رفيع، يتجسّد في رعاية وافتتاح صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، لهذا المهرجان، في خطوة تعكس بجلاء الدعم الذي توليه القيادة الرشيدة لمختلف أشكال التراث الوطني، وحرصها على إبقائه حاضرًا وفاعلًا في المشهد الثقافي.
ولا يقتصر هذا النجاح على الدعم الرسمي فحسب، بل يتعزّز بالجهود الكبيرة التي يبذلها القائمون على المهرجان، من خلال التنظيم المحكم، وتنوع الأنشطة التراثية والتطوير المستمر للبنية التنظيمية والفنية، بما يضمن استدامة هذه الفعالية التراثية، ويحافظ على قيمها الأصيلة، دون الإخلال بارتباطها بجذورها التاريخية. ويعكس هذا التكامل بين الدعم الرسمي والعمل الميداني وعيًا مؤسسيًا بأهمية التراث بوصفه أحد عناصر القوة الناعمة، ومكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الهوية الوطنية.

وقد أسهم هذا الاهتمام في تحويل مهرجان سباق الهجن إلى منصة ثقافية جامعة، تُنقل من خلالها المعارف الشعبية المرتبطة بالإبل ، وتقاليد السباق، إلى الأجيال الجديدة، ضمن بيئة تحترم الخصوصية الثقافية، وتواكب متطلبات العصر. وبهذا المعنى، لا يقتصر دور المهرجان على حفظ الموروث، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاجه ضمن مشروع وطني أوسع يسعى إلى تعزيز الانتماء، وترسيخ الهوية، وربط المجتمع بإرثه الحضاري.

وتبرز أهمية مهرجان سباق الهجن في قرية اليتمة كذلك بوصفه نموذجًا عمليًا للتوازن بين الأصالة والحداثة، حيث تُمارس تقاليد ضاربة في عمق التاريخ ضمن أطر تنظيمية حديثة، تعكس قدرة المجتمع على التفاعل الإيجابي مع التحولات المعاصرة دون التفريط في ثوابته الثقافية، وهو ما ينسجم مع رؤية الدولة الهادفة إلى بناء حاضر متقدّم يستند إلى إرث حضاري راسخ.

وخلاصة القول، فإن مهرجان سباق الهجن في اليتمة لا يمثّل مجرد فعالية تراثية موسمية، بل يُعد تعبيرًا حيًا عن الهوية الوطنية، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر، وأداة فاعلة في تجسيد رؤية الدولة للتراث بوصفه ركيزة من ركائز البناء الثقافي. فمن خلال هذا المهرجان، تستمر الأصالة في الحضور، لا بوصفها ذكرى عابرة، بل ممارسة متجددة تعكس عمق الانتماء، وقوة الهوية، وحيوية الموروث الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى