يتعلّم القلب قبل الجسد

ليلى سعد القحطاني🦋✍🏻
رمضان لا يمرّ على الطفل كما يمرّ على الكبار،
هو لا يحسب الساعات، ولا يفهم معنى الامتناع، لكنه يشعر بتغيّر الإيقاع في البيت، بصوت القرآن، بروائح المطبخ قبيل المغرب، وبالوجوه التي تصبح أهدأ وأكثر حنانًا.
الطفل في رمضان لا يتعلّم الصيام فقط، بل يتعلّم المعنى.
علموا صغاركم المعاني والقيم الرمضانية وانها ليست فقط في رمضان وانما رمضان هو المدرسة التى تبدأ منها هذه الدروس القيمة.
اخبر طفلك أن هناك وقتًا ننتظر فيه، وأن هذا الانتظار عبادة، وأن ليس كل ما نريده يؤخذ فورًا، وأن في التأجيل حكمة، وفي الصبر جمالًا.
جميعنا نتذكر التدريب الأول وهو من أجمل التمارين التربوية التي طبّقتها معظم الأسر المسلمة مع صغارها،
ذلك الصيام الجزئي: أن يصوم الطفل ساعات في أول النهار، أو يؤخّر طعامه ساعات في آخره، لا كفرضٍ قاسٍ، بل تحدي واعي،
نحتفي بنجاحه فيه، ونكافئ محاولته قبل نتيجته.
في كثير من البيوت، تُخبر الأم طفلها أنه “سيصوم اليوم حتى الظهر”،
فتراقبه وهو ينشغل باللعب، ويسأل عن الوقت،
وحين تحين الساعة الموعودة، لا يُكسر صيامه فقط بكوب ماء أو وجبة خفيفة،
بل بكلمات فخر: «أنت بطل اليوم».
وفي بيت آخر، ينتظر طفل المغرب، لا لأنه صائم تمامًا، بل لأنه يريد أن يرفع يديه مع العائلة،
ويشعر أنه جزء من هذا الطقس الجميل، حتى لو تناول تمرته قبل الأذان بدقائق.
هذه التفاصيل الصغيرة تصنع ذاكرة كبيرة، وتزرع في الطفل شعور الانتماء،
لا الخوف من الفشل. حين يرى الطفل والديه يلتزمان، يهدآن، يعتذران، يتسامحان أكثر، فهو يتلقّى درسًا غير مكتوب:
أن رمضان ليس جوعًا، بل تهذيب، وليس منعًا، بل وعي.
ومن الخطأ أن نُحمّل الطفل ما لا يحتمل، فنحوّل الصيام إلى اختبار قاسٍ، أو نقيس إيمانه بعدد الساعات.
الطفل لا يحتاج أن يصوم بقدر ما يحتاج أن يحب رمضان.
أن يرتبط في ذاكرته بالطمأنينة، وبالفرح،
رمضان فرصة ذهبية لبناء العلاقة بين الطفل والقيم:
الصدق حين نوضح له سبب الصيام،
الرحمة حين نتفهّم تعبه،
الكرم حين نعلّمه المشاركة،
والامتنان حين نلفت انتباهه للنِعم الصغيرة التي اعتادها.
وحين يكبر…
سيصوم لأنه يريد،
وسيحب رمضان لأنه شكّل روحه في طفولته،
رمضان مع الطفل ليس تدريب جسد،
بل تربية قلب،
ومن ربّى القلب… سهل عليه كل شيء بعد ذلك.
رمضان حين يتعلّم القلب قبل الجسد.
وكل عام وانتم بخير



