مقالات و رأي

الغباء الإستراتيجي كظاهرة تنظيمية: نحو فهم علمي لإنهيار التخطيط بعيد المدى.

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علوم البيولوجي
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

كثير منا قرأ عن التخطيط الإستراتيجي أو سمع به بوصفه أداة عقلانية لصناعة المستقبل، غير أن الممارسة الواقعية تكشف أحياناً عن ظاهرة معاكسة تعترض هذا المسار، تُعرف بـ«الغباء الإستراتيجي». وهي ظاهرة لا تعبر عن نقص في الذكاء، بقدر ما تعكس خللاً منهجياً في التفكير وصنع القرار، يؤدي إلى انهيار التخطيط بعيد المدى رغم توافر الإمكانات والمعرفة..

وقد سألني زميل عزيز عن مفهوم الغباء الإستراتيجي حيث ورد هذا المسمى في مقالة سابقة.. حفزني ذلك للكتابة عن ذلك ليس بوصفه توصيفاً أخلاقياً أو حكماً انفعالياً، بل بإعتباره مفهوماً تحليلياً يمكن إخضاعه للدراسة العلمية ضمن حقل الإدارة الإستراتيجية وصنع القرار.
فالغباء الإستراتيجي كما نوهت سابقاً لا يعني غياب الذكاء الفردي بالضرورة وكذلك نوهت بأنه يشير إلى نمط من التفكير والممارسة المؤسسية التي تنتج قرارات وخططاً ضعيفة، رغم توافر المعلومات والإحصائيات والموارد والخبرات.

يُعرَّف الغباء الإستراتيجي على أنه الفشل المنهجي في قراءة البيئة الداخلية والخارجية، وسوء تقدير العلاقات السببية بين القرارات ونتائجها بعيدة المدى مع الإصرار بشدة على مسارات عمل غير فعالة رغم ظهور أدلة ملموسة ومتراكمة على فشلها. وهو يختلف عن الخطأ الإستراتيجي العارض إذ أن الخطأ العارض قد يكون مثلاً نتيجة نقص معلومات أو ظروف طارئة، بينما الغباء الإستراتيجي حالة متكررة ناتجة عن بُنى معرفية وتنظيمية مختلة.

أحد الجذور الأساسية للغباء الإستراتيجي يتمثل في ضعف التفكير النقدي داخل المؤسسات. فعندما تُقمَع الأسئلة، ويُنظر إلى النقد بوصفه تهديداً لا أداة تحسين هنا تتحول الخطط الإستراتيجية إلى وثائق شكلية تُعيد إنتاج الافتراضات ذاتها. في هذه الحالة بالتأكيد لا تُختبر الفرضيات، ولا تُراجع السيناريوهات البديلة بل يُكتفى بإجماع ظاهري يخفي هشاشة معرفية عميقة.

كما يسهم التحيز المعرفي بدور محوري في إنتاج الغباء الإستراتيجي. من أبرز هذه التحيزات:
-تحيز التأكيد، حيث تبحث القيادات عن معلومات تدعم قناعاتها المسبقة وتتجاهل ما يناقضها

-وتحيز الثقة المفرطة، الذي يدفع صانعي القرار إلى المبالغة في تقدير قدراتهم على التحكم في المتغيرات المعقدة. هذه التحيزات لا تعمل بشكل فردي فقط بل تتضخم داخل الجماعات القيادية فتتحول إلى ما يُعرف بـ«تفكير القطيع الإستراتيجي».

من ناحية أخرى، يرتبط الغباء الإستراتيجي ارتباطاً وثيقاً بضعف البنية المؤسسية لصنع القرار. فغياب آليات واضحة لتحليل المخاطر، وانعدام الفصل بين التخطيط والتنفيذ والتقييم فإنه يؤدي إلى إنتاج استراتيجيات غير قابلة للقياس أو المراجعة. وعندما لا تُحدد مؤشرات أداء واضحة تصبح الخطة الإستراتيجية مجرد إعلان نوايا لا أداة توجيه فعالة.

تظهر الخطط الإستراتيجية الضعيفة بوصفها نتاجاً مباشراً لهذا الغباء الإستراتيجي لأنها غالباً ما تتسم بعمومية مفرطة، وأهداف فضفاضة، وجداول زمنية غير واقعية. كما أنها تفشل في مواءمة الموارد مع الأولويات، فتتوزع الجهودوتهدر الأوقات على مسارات متعددة دون تركيز حقيقي. والأسوأ من ذلك أن هذه الخطط قد تُبنى على قراءة خاطئة للبيئة التنافسية أو السياسية أو الاقتصادية الأمر الذي يجعلها عاجزة عن الصمود أمام أول اختبار عملي.

يضاف إلى ذلك أن الغباء الإستراتيجي يتغذى على ثقافة تنظيمية تُكافئ الطاعة العمياء لا جودة القرار وهنا نستطيع أن نقل. أنها ُثمّن الولاء أكثر مما تُثمّن القدرة على الإنجاز
وأكثر مما تُكافئ الكفاءة والجودة.
ففي بيئات كهذه، يُفضل صانع القرار تجنب المخاطرة الفكرية، والالتزام بما هو مألوف، حتى وإن ثبت فشله سابقاً. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الثقافة إلى عائق بنيوي يمنع التعلم المؤسسي، ويُعيد إنتاج الإخفاق ذاته من عدة محاور وبصيغ مختلفة.. والسؤال الذي يبرز هل من الممكن علاج الغباء الاستراتيجي ؟؟؟

من منظور علمي لا يمكن معالجة الغباء الإستراتيجي عبر حلول سطحية أو تغييرات شكلية بل يتطلب الأمر إعادة بناء منظومة التفكير الإستراتيجي نفسها، بدءاً من تعزيز التفكير التحليلي والنقدي، مروراً بتصميم هياكل حوكمة تسمح بتعدد وجهات النظر، وانتهاءً بترسيخ ثقافة مهمة جداً وهي التعلم من الفشل.. كما يستلزم ذلك الاعتراف بأن الذكاء الإستراتيجي ليس صفة فردية فقط بل نتاج تفاعل معقد بين المعرفة، والبيئة، والنظام المؤسسي.

خلاصة القول إن الغباء الإستراتيجي يمثل خطراً حقيقياً على فاعلية الخطط الإستراتيجية واستدامتها. فهو لا يُنتج فقط خططاً ضعيفة بل يخلق وهماً بالسيطرة والنجاح الأمر الذي يجعل تصحيح المسار أكثر صعوبة. ومن هنا فإن الوعي بهذا المفهوم ودراسته بعمق يُعد خطوة أساسية لأي مؤسسة أو دولة تسعى إلى بناء استراتيجيات رصينة قادرة على مواجهة التعقيد وعدم اليقين في عالم يخضع تحت ضغوط التحول السريع والثورات التكنولوجية..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى