ليالي الحرم… من ختم الخليفي إلى دعاء السديس…مظاهر وذكريات مكية في رمضان

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علم البيولوجي..
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
حين يحلّ شهر رمضان على مكة المكرمة، يتبدل إيقاع الحياة كما لو أن المدينة كلها تدخل في حالة صفاء جماعي. لا يكون التغير في ازدحام الشوارع فحسب بل في ذلك الشعور العميق الذي يسري بين الناس، شعور القرب من الله، والقرب من بعضهم بعضاً .
في مكة، رمضان ليس موسماً عابراً، بل ذاكرة متجددة تعود كل عام بروحها الأولى.
منذ الليلة الأولى، تتجه القلوب إلى المسجد الحرام، حيث الطواف لا ينقطع، والصفوف تمتد في نظام مهيب. قبيل أذان المغرب، تخفت الأصوات في الساحات، وترتفع الأكفّ بالدعاء. موائد الإفطار تُبسط في الحرم، تمراتٌ وماء زمزم ووجبات بسيطة يقدّمها أهل الخير، في مشهد مكي جميل تختلط فيه الألسنة وتتوحد النوايا. وما إن يرتفع الأذان حتى يفطر الناس معاً، وكأن قلباً واحداً يخفق في صدور الجميع.
بعد الإفطار، يصتف كل الجمع في صفوف مهيبة محلقة حول الكعبة المشرفة لصلاة المغرب وبعدها لصلاة العشاء ، ولتبدأ صلاة التراويح رالتي شكل أئمتها من أصحاب الفضيلة عبر العقود واحدة من أجمل صور رمضان المكي. أجيال كاملة ارتبطت أصوات القرآن في ذاكرتها بأسماء أئمة تركوا أثراً لا يُنسى مازال الناس يتذكرون ليلة ختم القرآن بصوت الشيخ عبدالله الخليفي، حين كان الدعاء يمتد طويلاً فتغمر الدموع أرجاء الحرم، ويشعر المصلون. بطمأنينة وخشوع وأن الله أقرب ما يكون منهم في تلك اللحظات..
وفي صلاة العشاء، ارتبطت ذاكرة كثيرين بصوت الشيخ محمد بن عبدالله السبيل، بهدوئه ووقاره ونبرته الخاشعة التي كانت تهيئ القلوب لقيام الليل. أما التراويح، فقد بقي صوت الشيخ علي جابر علامة فارقة في ذاكرة رمضان؛ تلاوة ندية، ونبرة مؤثرة، وأداء يفيض خشوعاً..
ومع تعاقب السنين، استمرت المسيرة، وتعاقبت الأصوات التي شكلت وجدان المصلين وارتبط رمضان في العقود الأخيرة بصوت الشيخ عبدالرحمن السديس في الدعاء المؤثر، خاصة في العشر الأواخر، حين يمتلئ الحرم عن آخره، وترتفع الأكف في مشهد مهيب تتداخل فيه الدموع مع الرجاء. كما يحضر صوت الشيخ سعود الشريم بقراءته المتقنة ونبرته القوية التي تضفي على الصلاة سكينة خاصة.
هذه الأصوات لم تكن مجرد تلاوات، بل كانت جزءاً من التكوين الروحي لأهل مكة وزوّارها. لكل جيل إمامه الذي ارتبط بصوته رمضان ولكل أسرة ذكرى خاصة مع ليلة ختم أو دعاء أبكى القلوب رهبة ورغبة في رضاء الله عزوجل والإبتهال بقبول الدعاء.
ومن المظاهر المكية الأصيلة كذلك حلقات تحفيظ القرآن في أروقة الحرم، حيث يجلس الصغار والكبار في دوائر منتظمة يتلون ويراجعون، في امتداد طبيعي لتاريخ هذه المدينة التي شهدت نزول الوحي أول مرة في غار حراء. هنا يتجدد العهد بين المكان والقرآن، فلا يكون رمضان موسم تلاوة فحسب، بل موسم عودةٍ إلى الأصل.
وفي العشر الأواخر، تتضاعف الحركة في الحرم، ويكثر المعتكفون، وتطول ساعات القيام. الليل في مكة يبدو مختلفا؛ هدوء مهيب رغم كثافة البشر، ونور يغمر المكان حتى ساعات الفجر الأولى. الأطفال يمسكون بأيدي آبائهم، يغالبون النعاس، لكنهم يحتفظون في ذاكرتهم بصورة الكعبة مضاءة وصوت الإمام ينساب في فضاء الحرم.
وحين يكتمل الشهر ويهل العيد، تستيقظ مكة على تكبيرات تتردد بين جنبات الحرم. صلاة العيد في المسجد الحرام مشهد لا يتكرر في مكان آخر؛ جموع غفيرة، ووجوه يكسوها الفرح بعد تمام الصيام. تتعالى التهاني، ويتبادل الناس الدعوات الصادقة، ثم تنطلق خطواتهم إلى بيوتهم، حيث تبدأ زيارات العيد وتصدح ضحكات الأطفال وهم يتلقّون العيديات.
رمضان والعيد في مكة ليسا مجرد مناسبتين، بل تجربة شعورية عميقة، تصوغ الذاكرة وتشكل الوجدان. بين طواف لا ينقطع، وصوت إمام يلامس القلب، وتكبير يملأ الأفق صباح العيد، تبقى مكة مدينة يضيء فيها الإيمان أكثر مما تضيء المصابيح، وتحيا فيها الذكريات كما تحيا الأدعية في الصدور.



