قراءة نقدية في مقالة “هل ينقذ النموذج الصيني الأبحاث الميتة في عالمنا العربي؟

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علم البيولوجي..
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
أرسل لي زميلي وصديق البعثة في جامعة مانشيستر البروفيسور عصام بن يحي الفيلالي مقالته الجميلة عن النموذج الصيني في التعليم العالي ..والحقيقة فإن مقاله الرائع يثير سؤالاً جوهرياً حول جدوى النموذج التقليدي للدكتوراه في العالم العربي، ويستدعي التجربة الصينية بوصفها نموذجاً إصلاحياً يربط الدرجة العلمية بالأثر التطبيقي والمنتج الملموس.
ولا شك أن التحولات التي شهدتها بعض الجامعات في الصين ولا سيما في مؤسسات رائدة مثل جامعة تسينغهوا تمثل تجربة تستحق التأمل والتحليل لا من باب الإعجاب والإنبهار بل من زاوية أسلوب تقليدي يركز على بنية الشيء لفهمه.
أولاً: في تشخيص أزمة “الأبحاث الميتة”
يتفق كثير من الباحثين على أن جزءاً من مخرجات الدراسات العليا في العالم العربي يعاني من ضعف الأثر المجتمعي والتنموي وهو ما يرتبط بعدة عوامل بنيوية داخلية، من أبرزها التالي:-
1-هيمنة البيروقراطية الأكاديمية التي تجعل الشكل أحياناً يتغلب على المضمون.
2-ضعف التكامل والشراكةبين الجامعة وقطاع الصناعة، بما يحول دون تحويل النتائج البحثية إلى تطبيقات عملية كمنجات تفيد المجتمع
3-ارتباط البحوث الأكاديمية بالترقية والنشر الكمي أكثر من ارتباطها بحل المشكلات الوطنية.
غير أنه في رأي المتواضع أن توصيف هذه الأبحاث بوصفها “أبحاثاً ميتة” ربما قد ينطوي على قدر من التعميم إذ إن البحث النظري في كثير من الأحيان حتى وإن لم ينتج سلعة مباشرة ربما قد يسهم في تراكم معرفي طويل الأمد ويشكل أساساً لأي ابتكار لاحق فيما بعد ، وذلك يعني أنه ليست كل قيمة علمية قابلة للقياس الفوري بمعايير السوق.
ثانياً: فهم السياق الصيني قبل استلهامه أو الإسترشاد به
إن التحولات التي شهدها التعليم العالي في الصين منذ إصلاحاتهم في عام 2014 وما تلاها بعد ذلك لم تكن معزولة عن مشروع وطني شامل يستهدف السيادة التقنية وتعزيز القدرة التنافسية الصناعية وتُعد تجربة جامعة تسينغهوا مثالاً بل نموذجاً على هذا التكامل، حيث أُنشئت تحالفات استراتيجية مع عشرات الشركات، في بيئة نموذجية قويك تمتلك
-قاعدة صناعية واسعة.
– منظومة تمويل بحثي مستقرة.
-سياسات وطنية بمنظومة واضحة للابتكار.
-ثقافة مؤسسية تعلي من قيمة الإنجاز التطبيقي.
ولذلك فإن نجاح المسار التطبيقي للدكتوراه هناك ليس نتاج تعديل إجرائي في آلية التقييم، بل ثمرة منظومة متكاملة تربط التعليم بالاقتصاد الوطني.
ثالثاً: مخاطر الاستنساخ غير النقدي..
إن نقل النموذج الصيني إلى السياق العربي دون تكييفه قد يفضي ربما إلى نتيجتين سلبيتين:
1-إضعاف العمق النظري لصالح منتجات قد تكون محدودة القيمة المعرفية.
2-خلق ضغط تطبيقي مصطنع في بيئات لا تمتلك بنية تحتية أو طلباً صناعياً حقيقياً.
والجامعات ليست مصنعاً فحسب، بل هي فضاء لإنتاج المعرفة بمختلف أشكالها، بما في ذلك المعرفة الأساسية التي لا تظهر ثمارها إلا بعد عقود. وقد أثبت تاريخ العلوم أن كثيراً من الابتكارات التقنية الكبرى تأسست على أبحاث نظرية بحتة.
رابعاً: نحو نموذج عربي متوازن
بدلاً من مفهوم الجملة الثنائية “نص مقابل منتج”، يمكن اقتراح نموذج تكاملي يقوم على إقرار مسارين للدكتوراه وهو:
– أكاديمي بحثي، وتطبيقي ابتكاري ولكن وفق معايير الجودة الصارمة لكلا المسارين..
• إعادة هيكلة الحوافز بحيث يُكافأ البخث ذي الأثر المجتمعي ولكن دون إهمال الأصالة العلمية.
• تعزيز الشراكات المؤسسية بين الجامعات والقطاعين العام والخاص عبر تنظيمات قانونية واضحة ومكتوبة بعناية وإلتزام.
• تطوير قدرات الإشراف الأكاديمي لتمكين أعضاء هيئة التدريس من إدارة مشاريع متعددة الأبعاد.
• مراعاة خصوصية التخصصات الإنسانية والاجتماعية التي يتجلى أثرها في السياسات العامة وبناء الوعي، لا في المنتجات المادية.
خامساً: إعادة تعريف الدكتوراه
إن جوهر النقاش لا يتعلق باستبدال “الأطروحة أو الرسالة البحثية ” بـ“المنتج”، بل يجب إعادة تعريف الدكتوراه بوصفها شهادة على القدرة على:
• إنتاج معرفة أصيلة.
• حل مشكلة حقيقية.
• الإسهام في تنمية المجتمع.
• وبناء مسار بحثي مستدام.
فالدكتوراه مسؤولية علمية وأخلاقية قبل أن تكون لقباً أكاديمياً يُتباهى به أو ترفاً مجتمعياً .. وإذا كان النموذج الصيني يذكّرنا بأهمية الأثر، فإن التحدي العربي يكمن في بناء بيئة تجعل الأثر ممكناً ولكن دون التفريط في العمق المعرفي الذي يشكل روح الجامعة.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير شكل المخرجات بل بإعادة صياغة العلاقة بين المعرفة والتنمية وبين الجامعة والمجتمع، وأيضاً بين الباحث ودوره المجتمعي والحضاري. وعندها فقط يمكن أن تتحول “الأبحاث الميتة” إلى معرفة حية، سواء تجسدت في كتاب محكم وعميق أو في منتج صناعي منافس..



