بين وهج الحماس وفولاذ الانضباط: من يصنع النجاح فعلياً؟

بقلم : د.فاطمة الفهيد
رحلة السعي نحو الأهداف، كثيراً ما نخلط بين مفهومين يظنهما البعض وجهاً لعملة واحدة، بينما هما في الواقع يمثلان الفرق بين “البدايات المبهرة” و*”النهايات المنتصرة”*. إنه الصراع الخفي بين الحماس الذي يشتعل كالألعاب النارية، والانضباط الذي يعمل بصمت كالساعة السويسرية.
أولاً: الحماس.. الضيف الذي لا يطيل المكث
الحماس هو تلك “الدفعة” العاطفية التي تجعلك تشعر بأنك قادر على غزو العالم. هو الوقود الأولي الذي يحفزك لشراء أدوات الرسم، أو التسجيل في دورة لغة جديدة، أو البدء في كتابة فصلك الأول.
لكن مشكلة الحماس الكبرى هي الاعتمادية على المزاج. هو يرتبط بالكيمياء الحيوية للدماغ؛ فإذا كان النوم جيداً والقهوة مثالية والظروف مشجعة، تجد الحماس في أوجّه. أما إذا هطل المطر أو واجهت انتقاداً بسيطاً، يتبخر الحماس تاركاً إياك في منتصف الطريق. الحماس هو “لماذا نبدأ”، لكنه نادراً ما يكون السبب في “لماذا نستمر”.
ثانياً: الانضباط.. فن إدارة الأيام العادية
إذا كان الحماس هو “العاطفة”، فإن الانضباط هو “القرار”. الانضباط الذاتي هو القدرة على القيام بما يجب عليك فعله، في الوقت الذي يجب أن تفعله فيه، سواء كنت ترغب في ذلك أم لا.
الانضباط لا يحتاج إلى “مود” معين؛ إنه يتعامل مع الهدف كواجب مقدس أو كجزء من الهوية. الشخص المنضبط لا يسأل نفسه “هل أشعر بالرغبة في العمل اليوم؟”، بل يسأل “ما هي المهمة التالية في القائمة؟”. الانضباط هو الذي يبني العضلات، ويؤلف الكتب، ويحقق الثروات، لأنه يعتمد على التراكم لا على القفزات المفاجئة.
المعادلة الذهبية: كيف تجمعهما؟
الاعتماد على الحماس وحده هو مقامرة، والاعتماد على الانضباط وحده قد يحول حياتك إلى آلة جافة. السر يكمن في دمج الاثنين معاً من خلال ثلاث خطوات:
1. استغل الحماس لتصميم النظام: عندما تكون في قمة حماسك، لا تكتفِ بالعمل، بل ضع “جدولاً” صارماً يلتزم به “نسختك الكسولة” لاحقاً.
2. اجعل الانضباط عادة: حوّل المهام الصعبة إلى روتين يومي (Habit) بحيث لا تستهلك طاقة ذهنية كبيرة في اتخاذ القرار.
3. تذكر “السبب” (The Why): عندما يغيب الحماس ويصبح الانضباط ثقيلاً، تذكر الغاية الكبرى لتعيد شحن بطاريتك العاطفية.
ونهاية القول :
الحماس يمنحك السرعة، لكن الانضباط يمنحك المسافة. الحماس هو الذي يجعلك تحلم، لكن الانضباط هو الذي يحقق الحلم. إذا أردت الوصول إلى القمة، فاشكر الحماس على البداية، ولكن ضع ثقتك الكاملة في الانضباط ليقودك إلى خط النهاية.



