القيادة تحت ضغط الملايين: التخطيط الإستراتيجي لإدارة الحشود في المسجد الحرام.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
مقالتي هذه من قلب الحدث وفي قلب مكة المكرمة، حيث تتجه أنظار المسلمين من كل أنحاء العالم وتهوى أفئدتهم إليه يبقى المسجد الحرام شاهداً على واحدة من أعقد عمليات إدارة الحشود في العالم. ملايين البشر يتدفقون في مساحة محدودة وفي أوقات متقاربة لأداء شعائر ذات مساحات ومسارات محددة، ومع ذلك تسير الحركة بانسيابية لافتة تعكس عملاً مؤسسياً دقيقاً يقوم على قوة التخطيط الإستراتيجي والقيادة الواعية.
إدارة الحشود هنا ليست مجرد تنظيم مداخل ومخارج بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الرؤية وتنتهي عند التنفيذ اللحظي في الميدان.
الرؤية واضحة: تمكين ضيوف الرحمن من أداء مناسكهم بأمن وسلام وطمأنينة. وتحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب تخطيطاً بعيد المدى واستثماراً في البنية التحتية، وتكاملاً وتنسيق بين الجهات المعنية المختلفة.
على مستوى التخطيط، تمثل التوسعات المتعاقبة للحرم المكي مثالاً على التفكير الإستراتيجي الذي يستبق النمو المتزايد في أعداد الزوار.
فالتصميم متعدد الأدوار وتوزيع المسارات وتقليل نقاط التقاطع، كلها قرارات هندسية ذات أبعاد قيادية هدفها توزيع الكثافة البشرية على المساحة الموجودة بشكل آمن وفعال.
التخطيط هنا لا يبقى ولا ينتظر حتى وقوع الازدحام بل الخطة تعمل على توقعه ومعالجته قبل أن يتحول إلى خطر.
أما على مستوى القيادة فإن إدارة الحشود في المسجد الحرام تقدم نموذجاً للقيادة الفاعلة والناجحة تحت الضغط. فالمشهد في الحرم يتغير لحظياً والكثافات ترتفع وتنخفض بسرعة ما يتطلب قرارات آنية مبنية على بيانات دقيقة حيث
ترتكز الإدارة الحديثة للحشود على البيانات الدقيقة والمحدّثة بصورة مستمرة، بما يضمن فاعلية التدخل وسرعة الاستجابة. وتعد غرف التحكم المركزية وأنظمة المراقبة المتقدمة وأدوات تحليل مؤشرات الكثافة والحركة من الركائز الأساسية التي تمكن متخذ القرار من التحرك بكفاءة ومرونة في آن واحد.
فهذه المنظومة المتكاملة تجسد نموذجاً قيادياً قائماً على المعلومة والتحليل اللحظي ويجمع بين الحزم في تطبيق الإجراءات، والمرونة في التكيف مع المستجدات الميدانية.
وفي هذا السياق، جرى تزويد المسجد الحرام بمنظومة متكاملة من التقنيات والأدوات الذكية، تشمل أنظمة استشعار وتحليل متقدمة، وحلولاً رقمية تسهم في تعزيز كفاءة إدارة الحشود وتنظيم تدفق الزوار والمعتمرين.
ويواكب هذه البنية التقنية المتطورة طاقة بشرية مؤهلة تعمل بإخلاص وعلى مدار الساعة بما يعكس تكاملاً فاعلاً ومنظماً بين التقنية والعنصر البشري، ويعزز من جودة الخدمات المقدمة وسلامة قاصدي المسجد الحرام
ويبرز هنا أهمية التكامل المؤسسي في هذا السياق إذ تتعاون الجهات الأمنية ،والصحية، والتشغيلية، وفرق الإرشاد، ووزارة الحج والعمرة ضمن منظومة واحدة تعمل بروح الفريق الواحد.. هذا التناغم يعكس حوكمة رشيدة تقوم على وضوح الأدوار وسرعة التنسيق، ما يعزز القدرة على الاستجابة الفورية لأي طارئ، أو تصحيح المسار في أي وقت وتحت أي ظرف.
وما يسرنا ويثلج صدورنا أنه لا يقتصر الأمر على التقنية والبنية التحتية فقط بل يبرز في إدارة الحشود في المسجد الحرام البعد الإنساني الذي يُشاهد حاضراً وبقوة. فوضوح اللوحات الإرشادية، وتعدد اللغات، ورسائل التوعية، وتنظيم الحركة بصرياً كلها عناصر تسهم في تهدئة الحشود وتقليل التوتر.
إن إدارة الحشود في المسجد الحرام تدرك أن التعامل مع الملايين يكون بالفهم العميق للسلوك الجماعي وتوجيهه بكل لطف واحتراف.
إن هذه التجربة لإدارة الحشود في المسجد الحرام يجب أن تُدرس في جامعاتنا بل وفي جامعات العالم إذ تقدم دروساً مهمة في علم الإدارة لأن التخطيط الإستراتيجي الذي تم إتباعه ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة أخذتها حكومتنا الرشيدة لضمان السلامة والأمن في كل مساحة سواءً في مكة والمشاعر التي يمارس فيها الحجاج والمعتمرين وقاصدي بيت الله الحرام مناسكهم في جو يسوده الأمن والطمأنينة، فهذا هو ديدن ومبدأ القيادة الناجحة التي تدمج بين الإنسان والتقنية، بين الرؤية بعيدة المدى والقرار اللحظي.
وفي هذا الزمن الذي تتزايد فيه الفعاليات الكبرى والتجمعات العالمية، يظل نموذج إدارة الحشود في المسجد الحرام مرجعاً ملهماً في كيفية إدارة الملايين بكفاءة، وكيف تتحول الرؤية القيادية إلى واقع منظم يعكس أعلى معايير السلامة والاحتراف.
وخلاصة الحديث قصة إدارة الحشود في مملكتنا العربية السعودية قصة إدارة تُكتب كل يوم بصمت في حركة طائف حول الكعبة المشرفة ،وخطوة ساعٍ في المسعى وصفوف مصلين حيث يعمل التخطيط الإستراتيجي والقيادة الواعية خلف المشهد ليبقى التركيز فقط على العبادة والإبتهال إلى الله وتبقى الطمأنينة هي العنوان الأبرز.



