المملكة العربية السعودية: قلب العروبة النابض وحصن الإسلام الراسخ

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
تتبوأ مملكتنا الغالية المملكة العربية السعودية مكانةً راسخة في الوجدان العربي والإسلامي، بوصفها دولة تجمع بين ثقل التاريخ، وعمق الرسالة، وحضور الفعل في ميادين السياسة والاقتصاد والإنسانية. فهي ليست كياناً جغرافياً فحسب، بل كياناً حضاريًاً تشكل عبر قرون من التفاعل بين العقيدة والثقافة والمجتمع، حتى غدت السعودية رمزًا للاستقرار والمرجعية في محيط إقليمي تتنازعه التحولات.
من الناحية الدينية، تتفرد المملكة بشرف احتضان الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة وهو شرف كبير اقترن بمسؤولية تاريخية عظيمة أستطاعت المملكة القيام به بكل إقتدار فقد سخرت الدولة إمكاناتها البشرية والمادية لخدمة قاصدي بيت الله الحرام، وابتكرت منظومات إدارية وتنظيمية متقدمة لإدارة مواسم الحج والعمرة، بما يعكس وعياً مؤسسياً بأبعاد هذه الرسالة الدينية الإسلامية والحضارية إذ إن خدمة الحرمين ليست مجرد مشروع خدمي، بل هي تجسيد لعقيدة الدولة وهويتها، وإعلان دائم ومتواصل عن التزامها برسالتها الإسلامية العظيمة الجامعة.
أما على الصعيد السياسي فقد اتسمت الدبلوماسية السعودية بنهجٍ يقوم على التوازن والحكمة، مستندة إلى ثقلها الاستراتيجي في المنطقة العربية والإسلامية. وقد لعبت المملكة أدواراً محورية في الوساطات الإقليمية، وفي دعم الاستقرار والتنمية، انطلاقاً من مبدأ نصرة المظلوم، والسعي إلى رأب الصدع وترجيح لغة الحوار على منطق الصراع. وفي هذا السياق يبرز حضورها الفاعل في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي حيث تمارس دوراً قيادياً يعكس مسؤوليتها تجاه قضايا الأمة.
وفي الإطار الخليجي اضطلعت المملكة بدور محوري في تأسيس وترسيخ كيان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إدراكاً منها لوحدة المصير وتشابك التحديات بين دوله. فعلى امتداد العقود الماضية واجه المجلس اختبارات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة غير أن المملكة تحملت بحكمتها البلغة وثقلها مسؤولية صون تماسكه والعمل على احتواء الخلافات بين أعضائه بما يحفظ بنيانه من التفكك ويصون عقده من الانفراط فلقد مارست الرياض دور الأخ الأكبر الذي يجمع ولا يفرق ويوازن بين المصالح، ويقدم الاستقرار الإقليمي على الاعتبارات الآنية إيماناً بأن قوة الخليج في وحدته وأن استمرارية المجلس ضمانة لأمن دوله وسلامتها وضمان تنميتها..
ويجسد هذا الدور قوة الفكر الاستراتيجي والقيادي للمملكة، إذ لم يقتصر حضورها على التأسيس بل امتد إلى صون الكيان الخليجي وتعزيز تماسكه في مواجهة الأزمات.. وقد عكست مواقفها وقيادتها المتزنة رؤية بعيدة المدى تؤمن بوحدة المصير، وتقدم الاستقرار والعمل المشترك بوصفهما ركيزة للأمن والتنمية واستدامة مجلس التعاون الخليجي.
اقتصاديًاً تمثل المملكة ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي بما تملكه من موارد طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي. ولكن يبدو أن التحول الأبرز في مسيرتها المعاصرة يتمثل في إطلاق رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله وهي رؤية السعودية 2030 التي أعادت صياغة مفهوم التنمية بوصفه مشروعاً شاملاً للتحديث المؤسسي والاجتماعي والثقافي. لقد سعت الرؤية إلى تنويع مصادر الدخل، وتمكين الشباب، وتعزيز مشاركة المرأة، وتطوير قطاعات السياحة والترفيه والتقنية، في إطار يحافظ على الثوابت ويستثمر في المستقبل.
وما يسرني دائماً هو التحدث عن الجانب الإجتماعي في السعودية فإجتماعياً ، يتسم المجتمع السعودي بروح الانتماء والوفاء والإخلاص حيث تتجلى قيم التضامن والتكافل في مختلف المناسبات والظروف.. فقد أثبت الشعب السعودي في محطات متعددة، تلاحماً راسخاً مع قيادته، واستعداداً للمشاركة في مسيرة البناء والتطوير.. إن هذا التماسك الداخلي يشكل أحد أعمدة الاستقرار ويمنح الدولة قدرة على مواجهة التحديات بثقة وثبات.
إن المملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل ديني وسياسي واقتصادي وخليجي، تجسد نموذج الدولة التي تجمع بين الأصالة والتجديد دولة إذا قالت فعلت ،وإذا تعهدت أوفت، تمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، مستندة إلى إرث عريق، وإلى رؤية طموحة، وإلى شعب وفيّ مخلص. ومن ثم، فإن تناولها بالدراسة والتحليل لا تقتصر على كونها تجربة وطنية، بل تمتد لتكون نموذجاً حضارياً ملهماً مؤثراً في محيطها العربي والإسلامي والدولي العالمي..



