سيرة ومسيرة الدكتور بهجت جنيد وأثر لا يزول

بقلم / منى يوسف الغامدي
أن يمن الله على الإنسان بنعمة انتمائه للتعليم ويكون من أهله فتلك نعمة تستحق الشكر لرب العالمين في كل وقت وحين، وأن يكرمك الله بصحبة القيادات التعليمية في وطنك وممن كان لهم بصمة قوية وأثر متميز لا يزول عبر السنين فتلك والله من النعم الكبرى التي تستوجب الذكر والحمد آناء الليل وأطراف النهار.
عندما كنت طفلة صغيرة لم أكن أفارق والدي رحمه الله الأستاذ والقائد التربوي يوسف الذي اصطفاني لصحبته في مجالس العلم والتعليم وسعدت في طفولتي برؤية الأستاذ عبدالعزيز الربيع رحمه الله وقرأت كتبه الأدبية الصادرة عن نادي المدينة الأدبي وكان ذلك في طفولتي المبكرة في المرحلة الابتدائية ، كبرت قليلاً وصحبت أصدقاء والدي وأيضا كنت في المرحلة الابتدائية؛ فكنت لأصدقاء والدي الابنة المقربة لهم جميعاً ومازلت على صلة بهؤلاء الرجال العظماء في حياتي رحم الله الأستاذ عبدالوهاب زمان من كان لي الأب الحنون ومعلم القرآن الذي لن يموت وأهل بيته هم الصفوة من الناس لقلبي ، وحفظ الله الأستاذ علي بحر وزوجته الغالية فاطمة شكري من قيادات التعليم في المدينة تتلمذت في مدرستهم على معاني الحب الحقيقي والوفاء الذي لم ينقطع بوفاة أمي وأبي رحمهما الله ، انتظر كل يوم صباحاً رسائل الدعوات التي تنير طريقي وتجعل يومي مباركا .تلك مدرسة فريدة من نوعها أعرف أبوابها جيدا في رحاب المدينة النبوية التي لا تعرف الا الحب والوفاء والقيم الإنسانية الرفيعة لتبقى المدينة منارة إشعاع نوراني عامر بالخيرات والبركات.
أما الدكتور بهجت محمود جنيد الصديق والأخ الحبيب المقرب لوالدي وزوجته السيدة سعدية جنيد فقصتي معهما قصة حب من نوع فريد وخاص جدا، كنت أعلم جيداً مقدار حب والدي للدكتور بهجت جنيد رحمه الله وحب والدتي لزوجته، وأردت إكمال قصة الحب بينهما بعد وفاتهما فتصدرت لأمر عظيم ولم يكن هيناً اطلاقا ان أكتب سيرة رجل دولة ورجل تعليم ، فكان اليوم الذي استأذنت فيه من أهل بيته لأكتب سيرته براً به وبوالدي فكانت المفاجأة بالنسبة لي أنه -رحمه الله -قد بدأ فعلياً كتابة سيرته بخط يده وبقلمه وتسلمت كل ملفاته وصوره ووثائق شهادات تقدير وتكريم حصل عليها رحمه الله من الوزارة والأمارة وتاريخ حافل بالإنجازات المباركة ، لم يكن حجم العمل والمعلومات قليلة واستشعرت عظم الأمانة وسألت الله تعالى في المسجد النبوي وقبل صلاة الفجر في ليلة الجمعة المباركة من شهر الله المحرم بأن يكون الله عز وجل عونا ومعينا لي أن أفي بوعدي وأن أجمع ما كتبه رحمه الله بخط يده عن تاريخه وعن خدمته لدينه ووطنه. وعملت على اعتماد زوجته لكل حرف اكتبه لتراجعه وتدققه وتأذن لي بنشره.
هذا الكتاب ليس مجرد سيرة تُروى، بل هو محاولة لتخليد ذكر رجل عاش للعلم والتربية والتعليم، وكرس حياته لخدمة دينه ووطنه وغرس في قلوب الأجيال حب الوطن والعطاء المتجدد الذي لا يتوقف، شكّل في المجتمع المدني حضوراً باهراً في ميدان التربية والتعليم، فكان معلماً وموجهاً وقائداً إداريا، ورجلاً جمع بين العلم والعمل، وبين الرؤية والبصيرة، وحسن الخلق والإدارة بالقدوة الحسنة وبالحب الكبير وبالاحترام والتقدير مع كل فرق العمل التي عملت معه وكنت ممن حظيت بصحبته وتتلمذت على يديه والاستفادة من خبرته في تأسيس مشروع المدارس الرائدة في تعليم البنات في محافظة ينبع . واحتفظ في سجلاتي ومسيرتي المهنية بشهادات موثقة باسمه وباكتساب خبرة فريق العمل النسائي من خلال زيارة المدارس الرائدة للبنين في المدينة المنورة وأتذكر جيدا تلك المقرأة القرآنية الالكترونية في مدرسة الشيخ عبد العزيز بن صالح وكيف عملت مديرة الثانوية الثانية بينبع الصناعية آنذاك الأستاذة عزيزة فلاته لنقل هذه الفكرة وافتتحنا أول مقرأة قرآنية في تعليم البنات بينبع. وكانت أول مدرسة ثانوية رائدة في التعليم بالمملكة.
كنت أكتب السيرة العطرة للدكتور بهجت وأجد نفسي معه في الرائدة وفي عالم الموهوبين وفي مؤسسة المدينة لتنمية المجتمع وفي المرصد الحضري للمدينة المنورة وترشيحي لأكون رئيسة الفريق النسائي في المرصد الحضاري بمحافظة ينبع.
هذا القائد آمن بأن التعليم رسالة قبل أن يكون مهنة، وهذا درس عظيم تعلمته منه ومن والدي رحمهما الله، وأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن يتركه القائد بعد رحيله.
مما سطره رحمه الله بقلمه في سيرته بأن الصداقة التي قامت على الحب في الله والصدق والاحترام والعلاقة الأسرية بعيداً عن المصالح تستمر من الطفولة إلى الشيخوخة. وأقول في خاتمة قولي بأن الصداقة الحقيقية تبقى حتى بعد الممات وها هي ابنة صديقه تفي بوعدها وتكمل مسيرة الوفاء لمن يستحقون أن تسطر سيرتهم بماء الذهب ليكونوا لنا نبراساً حقيقياً نحتذي به حتى نلقى الله ونجتمع بهم في دار الخلود؛ هناك يلتقي الأحبة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هؤلاء هم قدوتنا الحقيقيون والرجال العظماء في حياتي رحمهم الله وأسكنهم الفردوس الأعلى وبجوار سيد المرسلين. شكرا عائلة الدكتور بهجت جنيد على ثقتكم الكريمة التي اعتز بها كثيراً وأسأل الله أن أكون دوماً عن حسن ظن أهل المدينة الكرام المباركين.



