حوكمة الجامعات بين القيادة الإستراتيجية ودور مجالس الأمناء: قراءة تحليلية في صناعة القرار الأكاديمي.
بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
حيث سبق وأن كتبت في مقالة سابقة عن قرارات جامعة الملك سعود الجديدة للعام الدراسي القادم، وما أقرأه اليوم في المنصات الإعلامية بين منتقد ومؤيد، تذكرت في خضم هذا الزخم من الطروحات دور مجالس الأمناء بوصفها أحد أهم مرتكزات الحوكمة الجامعية، ليس فقط في إقرار التوجهات بل في صياغة الإطار الإستراتيجي الذي تنبثق عنه مثل هذه القرارات. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من سجالات الرأي إلى تحليل مؤسسي يلامس جوهر الحوكمة وعلاقتها بالقيادة والتخطيط الإستراتيجي داخل مؤسسات التعليم العالي.
تُعد الحوكمة في الجامعات منظومة متكاملة من الأطر التنظيمية والسياسات والإجراءات التي تضبط عملية اتخاذ القرار وتضمن تحقيق التوازن بين الاستقلالية الأكاديمية والمساءلة المؤسسية غير أنه لم يعد هذا المفهوم محصوراً في الجوانب الإدارية بل أصبح ركيزة أساسية في تحسين جودة التعليم والبحث العلمي وتعزيز القدرة التنافسية للجامعات في بيئة عالمية متسارعة التغير.
وفي هذا السياق، يبرز التخطيط الإستراتيجي كأحد أهم مكونات الحوكمة الفاعلة إذ يمثل الأداة التي من خلالها تُترجم الرؤية المؤسسية إلى أهداف قابلة للتنفيذ والقياس. فوجود خطة إستراتيجية واضحة يمكّن الجامعات من مواءمة مواردها مع أولوياتها، ويُسهم في بناء قرارات مبنية على البيانات، بدلاً من الاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال الآنية. كما أن هذا التكامل بين الحوكمة والتخطيط يعزز من كفاءة الأداء المؤسسي، ويمنح القيادات الأكاديمية إطاراً واضحاً للتحرك.
ولا يمكن الحديث عن الحوكمة بمعزل عن القيادة، إذ تمثل القيادة الجامعية العامل الحاسم في تفعيل مبادئ الحوكمة وتحويلها إلى ممارسات عملية. فالقائد الأكاديمي الفاعل لا يكتفي بتطبيق اللوائح، بل يسهم في ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية والمساءلة، ويوازن بين تمكين الكفاءات والحفاظ على الانضباط المؤسسي.
أما مجلس الأمناء، فيأتي في قمة هرم الحوكمة بوصفه الجهة التي تضطلع بالمسؤوليات الإستراتيجية العليا. إذ يقوم بدور محوري في رسم التوجه العام للجامعة من خلال اعتماد الرؤية والرسالة، وإقرار الخطط الإستراتيجية، ومتابعة مؤشرات الأداء. كما يمارس دوراً رقابياً يضمن كفاءة استخدام الموارد، ويعزز مبدأ المساءلة دون الانخراط في التفاصيل التشغيلية اليومية.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى القرارات الأكاديمية والتي منها سياسات القبول بوصفها نتاجاً تراكمياً يمر عبر مستويات متعددة من الحوكمة المؤسسية، تبدأ باللجان المتخصصة، مروراً بالمجالس الأكاديمية، وصولاً إلى مجلس الأمناء. وعليه، فإن قرارات القبول في جامعة الملك سعود يُفترض أن تكون قد خضعت لمراجعات منهجية ضمن هذه المنظومة، بما يعكس تكامل الأدوار بين المستويات المختلفة، ويعزز من موثوقية القرار ومشروعيته المؤسسية.
إضافة إلى ذلك، يسهم مجلس الأمناء في دعم استقلالية القرار الأكاديمي، من خلال توفير مظلة حوكمة تقلل من تأثير الضغوط غير المؤسسية، وتعزز من موضوعية القرارات. كما أن تنوع خلفيات أعضائه يتيح تمثيلاً أوسع لأصحاب المصلحة، بما يعزز ارتباط الجامعة باحتياجات المجتمع وسوق العمل.
إن الجدل الذي يرافق بعض القرارات الجامعية لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن أطر الحوكمة التي تحكم هذه القرارات. فوجود حوكمة رشيدة يعني أن القرارات تُبنى على أسس إستراتيجية واضحة، وتخضع لمراجعة مؤسسية وتُقدَّم ضمن سياق شفاف يمكن تفسيره والدفاع عنه. ومن هذا المنطلق فإن تعزيز قنوات التواصل المؤسسي يصبح ضرورة لردم الفجوة بين صانع القرار والمتلقي.
وفي الختام، يمكن القول إن الحوكمة الجامعية تمثل حجر الزاوية في بناء جامعات قادرة على الاستجابة للتحديات المعاصرة. ويظل مجلس الأمناء أحد أهم أعمدتها بما يؤديه من دور في توجيه البوصلة الإستراتيجية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والرقابة الفاعلة. لذلك وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم العالي فإن تبني نماذج حوكمة متقدمة لم يعد خياراً بل ضرورة إستراتيجية لضمان الاستدامة والتميّز المؤسسي.



