مقالات و رأي

‏أولويات وحياة

د. شاكر محجوب

‏ثَمَّةَ عُمْرٌ يَمُرُّ بِالإِنْسَانِ، لَا يُقَاسُ بِالأَيَّامِ بَلْ بِالطُمَأْنِينَةِ، أُسَمِّيهِ “المَرْحَلَةَ المَخْمَلِيَّةَ”. هِيَ تِلْكَ النُقْطَةُ الفَاصِلَةُ الَّتِي تَهْدَأُ فِيهَا العَوَاصِفُ الدَّاخِلِيَّةُ، وَيَجْلِسُ المَرْءُ فِيهَا مُتَّكِئاً عَلَى هُدُوئِهِ، يَرْقُبُ العَالَمَ بِلَا صَخَبٍ، وَيَمْضِي فِي دُرُوبِ الحَيَاةِ بِسَلَاسَةٍ بَالِغَةٍ. فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، يَفْقِدُ رَأْيُ الآخَرِينَ سُلْطَتَهُ، وَتَتَلَاشَى الرَّغْبَةُ فِي مَعْرِفَةِ أَسْرَارِ النَّاسِ، وَيُصْبِحُ الِاقْتِصَادُ فِي الطَّاقَةِ النَّفْسِيَّةِ أَعْظَمَ رِبْحٍ.

‏تَتَبَدَّلُ الأَوْلَوِيَّاتُ بِرِقَّةٍ؛ فَيَغْدُو فِنْجَانُ القَهْوَةِ السَّاخِنُ طَقْساً مُقَدَّساً، وَالسَّطْرُ الشَّادُّ فِي كِتَابٍ عَتِيقٍ رِحْلَةً كَامِلَةً. تَتَلَخَّصُ الدُّنْيَا فِي صِحَّةٍ تَسْتُرُ الجَسَدَ، وَبَالٍ خَالٍ مِنَ الكَدَرِ، وَأُسْرَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ يَسُرُّكَ أَنْ تَرَى الِابْتِسَامَةَ عَلَى وُجُوهِهِمْ. هُنَا، يَتَعَلَّمُ المَرْءُ كَيْفَ يَعْتَزِلُ الصَّخَبَ بِحُبٍّ، وَكَيْفَ يَحْتَفِظُ بِأَخْبَارِهِ وَمَسَرَّاتِهِ النَّادِرَةِ لِنَفْسِهِ؛ لأَنَّهُ أَدْرَكَ أَخِيراً أَنَّ أَثْمَنَ مَا يَمْلِكُهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ هُوَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ.

‏إِنَّهُ زَمَنُ التَّمَرُّدِ العَاقِلِ عَلَى قُيُودِ الـرُّوتِينِ الحَذِرِ. فَلَا تَعْجَبْ إِذَا رَأَيْتَنِي أَنْطَلِقُ بَعْدَ الوَاحِدَةٍ لَيْلاً، أَخْلَعُ حِذَاءَ الرَّسْمِيَّاتِ، لأَمْشِيَ حَافِيَ القَدَمَيْنِ عَلَى رَمْلِ الشَّاطِئِ البَارِدِ، مُتَنَفِّساً الحُرِّيَّةَ، وَعَائِداً بِقَلْبٍ يَمْلَؤُهُ فَرَحٌ طُفُولِيٌّ بَاسِمٌ. لَمْ أَعُدْ أَرْكُضُ خَلْفَ سَرَابِ الكَمَالِ، بَلْ صِرْتُ أَبْتَهِجُ بِأَبْسَطِ العَطَايَا، وَأُفَضِّلُ عُزْلَةَ قَرْيَةٍ هَادِئَةٍ تَفُوحُ بِأَصَالَةِ الأَرْضِ، عَلَى مُدُنٍ رَاقِصَةٍ تَخْنُقُهَا السُّرْعَةُ وَيُعْمِيهَا الضَّجِيجُ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى