مقالات و رأي

بين خداع الحرب وذكاء القيادة: هل الهدوء مقدمة لانفجار… أم مهارة في تفاديه؟؟

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي
قرأت مقالة لأحد الكتاب يقول فيها بأنه يرى أن الهدنة الراهنة في التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ليست سوى غطاء لـ“خداع استراتيجي” يسبق حرباً حتمية.
وهذه المقاربة، رغم ما تمنحه من يقين فإنها تختزل مشهداً بالغ التعقيد في تفسير واحد، وتتجاهل جوهر التفكير الاستراتيجي الحديث أن إدارة الصراع لا تعني دائماً السعي إلى تفجيره، بل كثيراً ما تعني الحيلولة دون انفلاته.

في الأدبيات الكلاسيكية، كما في كتاب “فن الحرب” للقائد والمفكر العسكري الصيني سون تزو لا يُختزل الخداع في كونه تمهيداً للهجوم، بل يُستخدم أيضاً كأداة لإرباك الخصم ودفعه إلى خيارات أقل كلفة على الطرف الآخر.
القيادة الحربية الذكية لا تبحث عن الحرب بوصفها غاية، بل تنظر إليها كخيار أخير ضمن سلّم واسع من الأدوات تبدأ بالردع وتنتهي بالمواجهة.

المشكلة في فرضية “الحرب الحتمية” أنها تفترض أن الاستعداد العسكري دليل نية، بينما في التفكير الاستراتيجي هو في كثير من الأحيان أداة ردع. فرفع الجاهزية، وتعزيز الدفاعات، وإعادة التموضع، كلها قد تُقرأ كمقدمات للهجوم، لكنها في الوقت ذاته تشكّل رسالة واضحة آلا وهي : كلفة الحرب ستكون باهظة. وهنا تحديداً تعمل القيادة الذكية ليس على إشعال الصراع، بل على إعادة تشكيل حسابات الخصم.

لقد أثبت التاريخ أن أخطر اللحظات ليست تلك التي تُقرع فيها طبول الحرب بل تلك التي يُساء فيها تفسير نوايا الخصوم.. يقول أحد الكتاب العسكريين أنه خلال أزمة الصواريخ الكوبية، كان العالم أقرب ما يكون إلى مواجهة نووية، ومع ذلك لم يكن المسار الحاسم عسكرياً بقدر ما كان نتاج قرارات قيادية أدركت حدود القوة، واستخدمت الدبلوماسية كامتداد لها، لا كبديل ضعيف عنها.

لكن القيادة الحربية الذكية تتحرك وفق ثلاث قواعد حاسمة:

أولاً- السيطرة على الإيقاع: من يحدد توقيت التصعيد أو التهدئة يمتلك نصف المعركة ، والهدنة هنا ليست بالضرورة خدعة، بل قد تكون وسيلة لضبط الإيقاع ومنع الانجرار إلى توقيت غير مناسب.

ثانياً- تعدد المسارات:
لا تُدار الصراعات عبر المسار العسكري فقط. الاقتصاد، والتحالفات، والضغط السياسي، كلها أدوات موازية قد تحقق أهدافًا تعجز الحرب عن تحقيقها أو تجعل كلفتها غير مبررة.

ثالثاً – إدارة المخاطر لا تعظيمها:
القائد الذكي لا يراهن على أفضل سيناريو، بل يحسب أسوأ الاحتمالات .. وفي بيئة إقليمية شديدة التعقيد، قد يتحول أي صدام محدود إلى سلسلة تصعيد يصعب احتواؤها.

من هذا المنظور فإن قراءة الهدوء الحالي بوصفه مجرد فاصل إعلاني قبل الانفجار، تبدو أقرب إلى التحليل الانطباعي منها إلى التقييم الاستراتيجي. فالقوى الكبرى لا تدخل الحروب بدافع الاندفاع، بل حين تقتنع أن البدائل الأخرى استُنفدت، وأن كلفة عدم الحرب تفوق كلفتها.

الواقع أن ما نشهده قد يكون نموذجاً لما يمكن تصنيفه “الردع النشط”: بمعنى :-
حشد للقوة دون استخدامها،
وتصعيد محسوب دون انفجار
وضغط متبادل بهدف الوصول إلى نقطة توازن جديدة.

في النهاية، لا يمكن إنكار أن احتمال الحرب قائم فهو جزء من طبيعة هذا النوع من الصراعات لكن تحويله إلى حتمية زمنية قريبة يتجاهل أهم ما في فن القيادة آلا وهي القدرة على إبقاء الخيارات مفتوحة، وتأجيل اللحظة الأخطر ما أمكن.

ليس كل هدوء خدعة، وليس كل خداع تمهيداً لضربة بل أحياناً يكون ما يبدو استعداداً للحرب… هو في حقيقته أعلى درجات السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى