غلطة الشاطر بألف… بين قسوة الحكم وعدالة الإنسانية.

بقلم /فوزية الوثلان
يتردد المثل الشعبي “غلطة الشاطر بألف” في مجالسنا كثيرًا، وكأنه حكمٌ جاهز نُنزله على كل من عرفناه متميزًا ثم تعثر يومًا. هو مثلٌ عربي قديم يُقال للتأكيد على أن خطأ الإنسان الذكي أو الماهر يكون أثره أكبر، لأن سقف التوقعات منه عالٍ، ولأن مكانته تجعل هفوته أكثر وضوحًا. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل يعني ذلك أن نُضاعف عليه العقوبة، أم نُضاعف له الاحتواء؟
في الحقيقة، المشكلة ليست في المثل بقدر ما هي في طريقة فهمنا له. نعم، خطأ “الشاطر” قد يكون صادمًا، لأنه لم يكن متوقعًا، لكن تحويل هذا الخطأ إلى ساحة للشماتة أو منصة للتشهير هو خلل في ميزان القيم. كيف ننسى تاريخًا من الإنجاز والعطاء بسبب زلة واحدة؟ وكيف نقايض سنوات من الإحسان بلحظة ضعف؟
الإنسان، مهما بلغ من الوعي والنجاح، يظل إنسانًا يخطئ ويصيب. والكمال الذي نطلبه من “الشاطر” هو في حقيقته عبء ثقيل نضعه على كتفيه، ثم نحاسبه إن تعثر تحته. بينما الأجدر بنا أن نكون أكثر وعيًا: أن نفرّق بين من يصرّ على الخطأ، ومن زلّت قدمه فاحتاج من يمد له يد العون.
بدل أن نكون “نحن والزمن عليه”، لماذا لا نكون له سندًا؟ لماذا لا نطبطب على قلبه، ونذكره بما فيه من خير، ونُعيد له ثقته بنفسه؟ فالكلمة الطيبة في لحظة الانكسار قد تُعيد إنسانًا كاملًا إلى طريقه، بينما القسوة قد تدفعه للانطفاء.
“لكل جوادٍ كبوة”، مثلٌ آخر يُكمل الصورة، ويذكرنا أن السقوط لا يُلغي قيمة الجواد، بل يؤكد أنه كان يعدو. والناجح الحقيقي ليس من لا يخطئ، بل من يتعلم من خطئه ويقوم أقوى. وكذلك المجتمع الناضج ليس الذي يترصد أخطاء أفراده، بل الذي يحتويهم ويمنحهم فرصة جديدة.
في النهاية، لعلنا بحاجة أن نعيد صياغة هذا المثل في وعينا:
نعم، “غلطة الشاطر بألف”… لكنها لا تعني أن نخسر “الشاطر” نفسه .



