مقالات و رأي

حين تصبح مجرد رقم: صمت الموظف بين التهميش والانتظار

جازان – سميرة عبدالله

في زوايا بعض بيئات العمل لا تكمن المعاناة في ضغط المهام أو صعوبة الإنجاز بل في ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى النفس شيئًا فشيئا: أنك موجود… لكنك غير مرئي تؤدي عملك بإخلاص تحضر في الوقت تنجز ما يُطلب منك وربما أكثر ومع ذلك لا تجد لصوتك صدى ولا لوجودك أثر.
وكأنك تؤدي دورا صامتا في مشهد لا يلتفت إليه أحد.

التهميش الوظيفي لا يأتي بقرار مكتوب ولا يعلن عنه في تعميم رسمي بل يبدأ بإشارات صغيرة تتراكم حتى تصنع واقعا ثقيلا.

يتم استبعادك من اجتماعات مهمة أو لا يطلب رأيك في قرارات تمس عملك مباشرة أو تمنح الفرص لغيرك رغم أنك الأجدر بها.

ومع مرور الوقت يتحول هذا التجاهل إلى حالة داخلية من الإحباط تتسلل إلى الحماس وتضعف الرغبة في العطاء.
ثم تأتي لحظة الترقيات… تلك اللحظة التي ينتظرها الموظف طويلا ويبني عليها آمالا كبيرة ويرى فيها اعترافا مستحقا بجهوده.

لكن حين تمر الترقية من أمامه مرورا عابرا دون أن تلتفت إليه يشعر وكأن كل ما قدمه لم يكن كافيا حتى ليذكر.

هنا لا يكون الألم في عدم الترقية فحسب بل في الإحساس العميق بأنه خارج دائرة الاهتمام وكأن اسمه لم يكن ضمن القائمة من الأساس.

يبدأ الموظف عندها يشعر وكأنه “مجمد” في مكانه لا يتقدم ولا يتراجع فقط يكرر الأيام نفسها بلا تغيير و يصبح حضوره روتينيا وعطاؤه آليا وشغفه الذي كان يوما دافعا يتحول إلى عبء.

وتكبر داخله فكرة قاسية: أنه مجرد رقم أو ربما صفر على الشمال لا يضاف ولا يحسب له حساب.

ومع هذا التراكم لا تتأثر الإنتاجية فقط بل تمتد الآثار إلى الحالة النفسية.
يتسلل الشك إلى النفس ويبدأ الإنسان بمراجعة ذاته: هل أنا فعلا غير كفء؟

هل المشكلة في أدائي؟ أم أن الخلل في البيئة التي لا ترى ولا تقدر؟ وهنا تكمن الخطورة حين يبدأ الإنسان في تصديق صورة ليست حقيقية عنه فقط لأنها انعكست أمامه مرارا.

لكن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح التهميش لا يلغي القيمة ولا يختصر الكفاءة.
قد يكون الإنسان في المكان الخطأ أو تحت إدارة لا تجيد اكتشاف الطاقات أو ضمن بيئة لا تؤمن بالعدالة المهنية لذلك من الضروري أن يفرق الإنسان بين تقييمه لنفسه وبين ما يفرض عليه من تقييم غير منصف.

ليس الحل دائما في الصمت ولا في الانسحاب الفوري بل في الوعي. وعي الإنسان بحقوقه بقيمته وبأهمية أن يكون له حضور حقيقي في مكان عمله .
أحيانًا يكون من الضروري أن يعيد ترتيب أوراقه أن يطور من نفسه أن يبحث عن فرص أخرى أو حتى أن يواجه هذا التهميش بأسلوب مهني يثبت من خلاله وجوده.

وقد يكون الرحيل خيارا شجاع لا هروبا فالاستمرار في بيئة تضعفك يوما بعد يوم ليس صبرا، بل استنزاف و أما الانتقال إلى بيئة تقدرك فليس مغامرة بل استحقاق.

إن كل إنسان يحمل في داخله قيمة لا تقاس بمسمى وظيفي ولا تحددها ترقية تأخرت أو فرصة ضاعت.
القيمة الحقيقية تنبع من الإيمان بالذات ومن الاستمرار في العطاء رغم كل الظروف ومن القدرة على النهوض حتى في أصعب اللحظات.

وفي النهاية تظل الحقيقة الأهم:
لا تسمح لأي بيئة أن تقنعك بأنك بلا قيمة فقط لأنها لم تحسن رؤيتك او انه بالاحق لا يوجد لديك مايسمى بالواسطة او الجسر الذي يوصلك لما تريد .

فهناك دائما مكان آخر… يرى ويقدر وينتظر أن تظهر فيه كما أنت حقا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى