مقالات و رأي

مابعد الحقيقة ومواجهة الذات .. كيف تبني مساحاتك الآمنة في عالم مزدحم بالتناقضات؟

ليلى العوفي .المدينه المنوره
في هذا العالم الذي لا يكفّ عن الصخب ، حيث تتزاحم فيه الأصوات حتى تختنق المعاني، لا يكاد ينجو الإنسان بقوته… بل بقدرته على الانسحاب إلى نفسه دون أن ينهار ؛ لأن الخارج متقلّب بطبيعته وأن محاولة السيطرة عليه استنزاف لا نهاية له
المساحة الآمنة ليست جدارًا يحميك ، ولا بابًا تغلقه في وجه الآخرين ، بل حالة خفية من السلام تتكوّن حين تتصالح مع ما في داخلك لا مع من حولك.
أن تعرف نفسك لا كما يراك الناس ، بل كما تشعر بها حين يهدأ كل شيء…
أن تقترب منك بما يكفي لتهمس لنفسك
أن تجلس مع فوضاك دون خوف
أن تنظر إلى شقوقك دون محاولة إخفائها
أن تعترف أن فيك ما يتعبك…
وما يستحق أن يُحتضن لا أن يُقسى عليه.
المساحة الآمنة تبدأ منك أنت ، وهي ذلك الاتفاق الصامت بين قلبك الذي يبالغ في الشعور وعقلك الذي يبالغ في النجاة
أن يلتقيا في منتصفك… دون صراع فــ (من ينظر إلى الخارج يحلم ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ) كارل يونغ

هي أن تتقن فنّ الرفض لا كقسوة… بل كحماية
أن تقول “لا” حين يستنزفك العالم ، وحين تتكاثر عليك الأدوار حتى تنسى وجهك الحقيقي.
أن تفهم أن ما في الخارج ليس إلا صدى لما في الداخل وأنك إن لم تُرمم ذاتك ستبقى كل محاولاتك للنجاة مؤقتة… وهشّة
فـ(من يملك سببًا للعيش يمكنه أن يحتمل أيّ شكل من أشكال الطريق) فريدريك نيتشه
في مساحتك الآمنة تعيد ترتيب نفسك كما لو أنك تبدأ من جديد
تسأل دون خوف: من أنا حين لا أُجبر على أن أكون شيئًا؟
ماذا أريد… بعيدًا عن توقعاتهم؟
وأي طريق يشبهني… لا يرضيهم؟
وهناك، بين هذا الصدق وذلك الاعتراف
يتجلى المعنى الأعمق:
أن البداية الحقيقية لا تأتي من الخارج
بل من الداخل.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
سورة الرعد، الآية 11
فالتغيير قراراً ينبع منك لا حدثًا يقع عليك
خطوة أولى تخطوها نحو ذاتك قبل أن تخطوها نحو العالم.
هناك تتعلم أن الحزن ليس عدوًا وأن الغضب رسالة وأن الانكسار… أحيانًا هو الطريقة الوحيدة لترى نفسك بوضوح
والخذلان هو الطريقة الوحيدة لترى الآخرين بوضوح.
وحين تعجز عن تغيير ما يحدث لك يكون التحدي الحقيقي أن تغيّر نفسك
(حين لا نستطيع تغيير الموقف، نتحدّى أنفسنا لنغيّرها) فيكتور فرانكل
المساحة الآمنة ليست هروبًا من العالم بل عودة صادقة إليه… بعد أن تعود أولًا إلى نفسك.
فالقوة لا تولد من التصفيق ولا من نظرات الإعجاب العابرة بل من تلك اللحظات الصامتة التي تقف فيها وحدك وتختار أن لا تسقط ، مدركًا أن (لك سلطة على عقلك لا على ما يحدث حولك) ماركوس أوريليوس
المساحة الآمنة هي أن تُحفّز نفسك أن تُمسك بيدك حين لا يفعل أحد أن تكون الملاذ… والنجاة… والبداية.
فتدرك أخيرًا… أنك كلما ابتعدت عن نفسك كنت أنت الغريب.
وكلما عدت إليها عاد إليك العالم… لكن بشكلٍ لا يؤذيك.
وحين تعود لا تعود كما كنت بل تعود وأنت تعرف: أين تقف ومتى تمضي ومتى تختار نفسك… دون خوف.
هناك فقط لا تبحث عن الأمان لأنك أصبحتَه .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى