مقالات و رأي

“الوفاء لا يعرف المزاج”

✍🏻 : إسماعيل بن محمد الفقيه

بعض الناس لا يُؤتَون من قلة المعروف ، بل من ضيق الصدر وتقلب المزاج ؛ ينسون الجميل إذا عَكَرَت نفوسهم غيمة عابرة ، ويجحدون العشرة إذا مرّوا بيومٍ لم يُرضِ أهواءهم .
هؤلاء لا يُحسنون حفظ الودّ ، لأنهم يقيسون العلاقات بمقياس اللحظة ، لا بميزان المواقف المتراكمة .

والقرب من هذا الصنف مُتعب ، لأنك تبني معهم ذكرى ، فيهدمونها بنزوة ، وتغرس معروفًا ، فيجتثّونه بجفاء .
لا ثبات في ودّهم ، ولا أمان في صحبتهم ؛ يقتربون حين يصفو مزاجهم ، ويبتعدون حين تعصف بهم تقلباتهم ، كأن القلوب عندهم فصول لا تستقر على حال .

والحكمة أن تُحسن الاختيار ؛ فالعلاقة التي لا تقوم على الوفاء لا تُورث إلا خيبة ، والصحبة التي تتلوّن مع المزاج لا تُثمر طمأنينة .
ليس المطلوب أن تُغلِق بابك ، بل أن تعرف من يستحق أن تُبقيه مفتوحًا له .
فالأصيل يُخطئ لكنه لا ينكر ، ويغضب لكنه لا يهدم ، ويبتعد لكنه لا يجحد .

ابتعد عمّن يُسقط تاريخك من أجل لحظة ، ويُنكر معروفك من أجل عارضٍ زائل .
واقترب ممن يرى لك مكانًا ثابتًا في قلبه ، لا تُغيّره رياح المزاج .
فالعلاقات الحقيقية لا تختبرها الأيام الجميلة ، بل تثبت في أوقات العتب ، وتبقى رغم اختلاف الطباع .

وفي النهاية ، صفاء القلب لا يعني أن تُعطي بلا حساب ، بل أن تُعطي من يستحق ، وتُبقي كرامتك فوق كل اعتبار .
فمن لا يحفظ الودّ ، لا يستحق أن يُعطى من رصيد القلب مرةً أخرى ..
ومع ذلك ، يبقى في الناس بقيةُ وفاء ، قلوبٌ تحفظ العهد وإن ضاقت بها الأيام ، وتُقدّر الودّ وإن تغيّرت الأحوال .
فليس كل من تغيّر مزاجه تغيّر معدنه ، لكن الفارق أن الأصيل يعود ، ويعتذر ، ويُرمّم ما انكسر …
أما غيره فيمضي وكأن شيئًا لم يكن .
فاختر لنفسك من إذا اهتزّ الودّ أصلحه ، لا من إذا اهتزّ هدمه ..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى