فرصة واعدة: شراكة سعودية-ماليزية في التدريب النوعي على الجودة والتخطيط الاستراتيجي

بقلم:هيثم عبدالحميد
في عصر التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي، أصبحت الاستثمارات في الجودة والتخطيط الاستراتيجي ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية لأي مؤسسة تسعى للاستدامة والتنافسية. في المملكة العربية السعودية، تنفق الجهات الحكومية والخاصة مئات الآلاف — بل ملايين — الريالات سنوياً على برامج التدريب والتطوير في هذه المجالات. ومع ذلك، يظل السؤال: هل نحقق أقصى عائد على هذه الاستثمارات؟
يقترح البروفسور عبدالعزيز برغوث نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا -سابقا- أمام القطاع الخاص فرصة إقامة الشراكة السعودية-الماليزية لتقديم دورات نوعية موجهة لمختلف مستويات الإدارة فهي فرصة ذهبية لتوطين الخبرات، خفض التكاليف، ورفع جودة المخرجات التدريبية. هذه الشراكة لا تقتصر على الجودة والتخطيط الاستراتيجي فحسب، بل تمتد إلى مجالات أخرى مثل الإدارة المالية، التحول الرقمي، والقيادة المؤسسية، مما يجعلها حلًا متكاملاً يخدم الإدارات الحكومية، الجامعات، والأفراد على حد سواء.
حجم الإنفاق على التدريب في السعودية؟
أرقام تتحدث عن فرصة كبيرة حيث يشهد سوق التدريب المؤسسي في المملكة نمواً ملحوظاً مدعوماً برؤية 2030. وفقاً لتقارير IMARC Group وغيرها، بلغ حجم سوق التدريب المؤسسي في 2024 حوالي 3.59 مليار دولار أمريكي (أكثر من 13.5 مليار ريال سعودي)، ومن المتوقع أن يصل إلى 6.66 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.1%.
في 2025، يقدر حجم السوق بحوالي 3.85 مليار دولار، متجهاً نحو 6.92 مليار بحلول 2034.
تخصص الحكومة مبالغ ضخمة لتطوير القدرات البشرية، منها:برنامج تطوير القدرات البشرية ضمن رؤية 2030.
دعم صندوق تنمية الموارد البشرية (HRDF) الذي استثمر مليارات الريالات في التدريب والتوظيف.
تخصيصات ميزانية 2025 للتعليم والتدريب تتجاوز عشرات المليارات، مع تركيز على المهارات التقنية والإدارية.
كثير من الجهات الحكومية والشركات تنفق مئات الآلاف سنوياً على دورات خارجية باهظة التكلفة، غالباً ما تكون باللغة الإنجليزية أو مع مدربين أجانب. هذا الإنفاق يمثل فرصة اقتصادية هائلة إذا وُجِّه نحو شراكات محلية-إقليمية فعالة.لماذا ماليزيا تحديداً؟ مزايا تنافسية واضحة تتمتع ماليزيا بخبرة عريقة في بناء نموذج تنموي ناجح يجمع بين الرؤية الاستراتيجية، الجودة المؤسسية، والتعليم العالي. النجاح الماليزي في الجودة (مثل ISO وTotal Quality Management) والتخطيط الاستراتيجي جعلها نموذجاً للدول النامية.
هناك تعاون تعليمي متزايد بين البلدين، بما في ذلك خطط إنشاء مركز تعليمي ماليزي في السعودية لتنسيق البرامج الأكاديمية والمنح.
المدربون الماليزيون أو الخبراء السعوديون يجمعون بين الخبرة العملية، التكلفة التنافسية، والتوافق الثقافي والديني، مما يرفع معدلات الاستيعاب والتطبيق.
الدورات المقترحة يمكن تصميمها على مستويات:الإدارة العليا: تخطيط استراتيجي متقدم، إدارة التغيير، التحول نحو رؤية 2030.
الإدارة الوسطى: إدارة الجودة الشاملة، قياس الأداء (KPIs)، إدارة المشاريع.
الإدارة التنفيذية والأفراد: مهارات أساسية في الجودة، التفكير الاستراتيجي، والتطوير الذاتي.
يمكن تقديمها حضورياً في الرياض وجدة والدمام، أو هجيناً (أونلاين + ورش عمل)، أو داخلياً (In-House) للجهات الحكومية.
جدوى الفكرة: الاقتصادية والاستراتيجية والوطنية؟
1. الجدوى الاقتصادية:توفير تكاليف بنسبة 30-50% مقارنة بالمدربين الغربيين دون التضحية بالجودة.
إيرادات متكررة من اشتراكات الدورات، الشهادات المعتمدة، والبرامج المخصصة.
إمكانية التصدير: تقديم البرامج لدول خليجية أخرى.
2. الجدوى الاستراتيجية:دعم أهداف رؤية 2030 في توطين المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية.
تعزيز الشراكات الدولية في مجال التعليم والتدريب.
رفع كفاءة الإنفاق الحكومي على التدريب من خلال برامج مخصصة ذات عائد سريع وقابل للقياس.
3. الجدوى الاجتماعية:إتاحة التدريب للأفراد بأسعار معقولة، مما يعزز التنمية الذاتية.
استفادة الجامعات من برامج تطوير أعضاء هيئة التدريس والإداريين.
دعم الجهات الحكومية في تحقيق أهداف التحول المؤسسي.
مستقبل التدريب في السعودية؟
نحو نموذج مستدام مع استمرار نمو السوق بمعدلات عالية، وتركيز رؤية 2030 على “بناء القدرات البشرية” كمحور أساسي، سيتحول التدريب من “إنفاق” إلى “استثمار استراتيجي”. المستقبل يتجه نحو:التعلم الرقمي والذكاء الاصطناعي في البرامج التدريبية.
الشراكات الإقليمية (مثل ماليزيا) لتوطين الخبرات.
قياس العائد على الاستثمار (ROI) في التدريب بدقة أكبر.
الفرصة أمامنا اليوم لتحويل الإنفاق الكبير على التدريب إلى منصة وطنية مستدامة. شراكة سعودية-ماليزية في الجودة والتخطيط الاستراتيجي ليست مجرد فكرة تجارية، بل مساهمة حقيقية في بناء اقتصاد مزدهر وقوى عاملة مؤهلة. الوقت مناسب للجهات المعنية — سواء في القطاع الخاص أو الحكومي — لتبني هذه المبادرة وتحقيق قفزة نوعية في التنمية المؤسسية.
من يغتنم هذه الفرصة اليوم سيحصد ثمار الغد.



