مقالات و رأي

علاقات مشبوهة

د. شاكر محجوب

تقف الشريعة الغرّاء بسياجها الحاني لتحمي طهر النفوس وعفاف القلوب، فتنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه من منظار يغلب عليه الحذر من مواطن الفتنة وسدّ ذرائع الهوى.

إن مفهوم الصداقة بمعناه الانبساطي المتحرر، الذي يبيح تبادل الأسرار والخلوات والمؤانسة المستمرة، لا يجد له مستقراً في رحاب الأحكام الفقهية؛ إذ يرى الإسلام أن القلوب جبلت على ميل الجنسين لبعضهما، فجعل الزواج هو المصبّ الوحيد والمقدس لكل مشاعر الود والملاطفة الصادقة.

وفي ظلال هذا التوجيه، لا يضيق الشرع واسعاً في التعامل الإنساني الضروري، بل يهذبه بآداب سامية من غض للبصر، وترفع عن خضوع القول، وتجنب لكل خلوة قد يتسلل منها الشيطان. فالأصل في العلاقة بينهما هو “التعامل عند الحاجة” بوقار وحشمة، لا “المخاللة” التي تذيب الحدود وتفتح أبواب الحيرة؛ لتظل العواطف مصونة في مكمنها، والبيوت محصنة بخصوصيتها، فلا يشارك الزوجَ في قلب زوجته صديق، ولا يزاحم الزوجةَ في وجدان زوجها خليل، ليبقى المجتمع نقياً، قائماً على وضوح الروابط لا على ضبابية المشاعر.

وتمتد هذه الرؤية الشرعية لتشمل الفضاءات الرقمية التي باتت تعجّ بلقاءات الأرواح خلف الشاشات، حيث يرى الفقهاء أن المحادثات الخاصة بين الرجل والمرأة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تأخذ حكم الخلوة المعنوية إذا خرجت عن إطار الضرورة والحاجة الملحّة.

فخلف تلك الحروف والرموز التعبيرية، قد تتسلل الألفة ويذوب التحفظ، مما يفتح أبواباً للفتنة لم تكن لتُفتح في اللقاءات الواقعية المحكومة بهيبة الحضور؛ لذا فإن الشريعة تضبط هذه التفاعلات بميزان الدقة، وتدعو إلى تجنب الانبساط في القول أو إطالة الحديث في غير مقصد شرعي أو نفع عام.

أما ما يحدث في “المساحات” الصوتية والمنصات العامة، فإنه وإن فقد صفة الخصوصية، إلا أنه يظل محفوفاً بمحاذير الخضوع بالقول والمزاح الذي يكسر هيبة العفاف، ويحول العلاقة من تعاون بنّاء إلى صداقة عابرة للحدود التي رسمها الوحي. فالأصل في هذه الوسائل أنها أدوات للبناء ونشر العلم والمنفعة، لا منصات لنسج علاقات عاطفية تحت مسمى “الصداقة الإلكترونية” التي قد تزلّ بها الأقدام بعد ثبوتها؛ ولذا يبقى الورع والوقوف عند حدود الأدب النبوي هو العاصم للقلب في زمنٍ كثرت فيه المغريات وتعددت فيه سبل الاختلاط الرقمي.

وختاماً، يظل قول الله سبحانه وتعالى هو الفيصل والقاعدة الجامعة التي تضبط خلجات القلوب ومنطق الألسن، حيث قال في محكم تنزيله: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، ليكون القول المعروف المنضبط بالحاجة والوقار هو السبيل الأسمى لسلامة الدين وعفة الوجدان.

http://‎@shaker_mahjoub

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى