استثمار “عبق التاريخ”: نحو مدينة تراثية عالمية تحاكي مكة المكرمة والمدينة المنورة

بقلم/ هيثم عبدالحميد
تمتلك المملكة العربية السعودية كنزاً لا يضاهى من الإرث الروحاني والتاريخي، يتمثل في حقبة عصر النبوة وتفاصيل الحياة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. ومع التوجهات الطموحة لـ رؤية 2030 في تنويع مصادر الدخل وتعزيز قطاع السياحة، تبرز فكرة إنشاء “مدينة التراث” كواجهة استثمارية وثقافية كبرى، تذهب بعيداً في محاكاة تلك الحقبة، تماماً كما فعلت تركيا حين استثمرت النجاح الدرامي لمسلسل “قيامة أرطغرل” لتحويل “قرية الكاي” إلى مقصد سياحي عالمي.
فلسفة المشروع: من الشاشة إلى الواقع؟
إن نجاح تجربة “مدينة الكاي” في تركيا لم يأتِ من فراغ، بل من قدرتها على نقل الزائر من دور “المشاهد” إلى دور “المعايش”. وبالمثل، يمكن للمملكة إنشاء مدينة متكاملة تحاكي العمارة، والأسواق، وطرق المعيشة في العهد النبوي.
المحاكاة البصرية والمكانية: تصميم أزقة تحاكي “شِعب علي” أو “سوق ذي المجاز”، واستخدام المواد الطبيعية من طين وجريد وحجر محلي لبعث الروح في المكان.
التجربة الغامرة: بدلاً من مجرد النظر إلى الآثار خلف الزجاج، يمكن للزائر أن يتناول طعاماً أُعدّ بطرق تقليدية، ويسمع أصوات الحرف اليدوية المندثرة.
الاقتصاد التراثي: أكثر من مجرد سياحة؟
إن الاستثمار في “مدينة التراث” هو استثمار في “الصناعات الإبداعية”، وهو قطاع ينمو عالمياً بشكل مذهل. المملكة لديها فرصة لرقمنة وتجسيد هذا التراث عبر:
إحياء الحرف اليدوية: تحويل المدينة إلى ورشة عمل كبرى للنسيج، الفخار، والحدادة التقليدية، وبيع هذه المنتجات كعلامة تجارية سعودية (Made in Makkah/Madinah).
صناعة المحتوى: توفير استوديوهات تصوير عالمية داخل هذه المدن التراثية، لتكون مقصداً لشركات الإنتاج الدولية لتصوير الأفلام والوثائقيات التاريخية، مما يضمن تدفقاً استثمارياً مستداماً.
الميزة التنافسية للمملكة..لماذا الآن؟
تتمتع المملكة بمزايا لا يملكها غيرها، مما يجعل نجاح هذا المشروع مضموناً:
القوة الروحية: هناك مليار ونصف المليار مسلم يتوقون لمعرفة “كيف عاش النبي وصحابته؟”. هذا الشغف يمثل سوقاً سياحياً ضخماً لا يحتاج لجهود تسويقية مضنية.
البنية التحتية المتطورة: الربط بين الحرمين عبر قطار الحرمين السريع يسهل وصول ملايين الحجاج والمعتمرين إلى هذه المواقع التراثية بيسر وسهولة.
التكامل مع المشاريع الكبرى: يمكن لهذه المدينة أن تكون مكملة لمشاريع مثل “رؤى المدينة” أو وجهات مكة الجديدة، لتقدم البعد “التاريخي” بجانب البعد “الخدمي”.
العوائد المتوقعة ثقافية واقتصادية؟
1. عزيز الهوية الوطنية: ربط الجيل الجديد بجذورهم التاريخية من خلال رؤية واقعية لا تعتمد على الخيال فقط.
2. خلق فرص عمل: آلاف الوظائف في مجالات الإرشاد السياحي، الحرف اليدوية، والتمثيل المسرحي التاريخي.
3. القوة الناعمة: تقديم الصورة المشرقة للحضارة الإسلامية للعالم من خلال بوابة السياحة الثقافية.
إن “مدينة التراث” ليست مجرد مشروع عقاري، بل هي استثمار في “الذاكرة الإنسانية”. إن تجربة تركيا في استثمار فنتازيا التاريخ يجب أن تحفزنا لاستثمار حقائق التاريخ التي نمتلكها.
المملكة اليوم مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتحويل إرث مكة والمدينة إلى تجربة عالمية تلهم العقول وتنعش الاقتصادات.
أظن ان تبني مثل هذه الأفكار يكون أفضل عبر لجنة عليا مشتركة تضم:
1. صندوق الاستثمارات العامة (PIF)
2. وزارة الثقافة (هيئة التراث)
3. وزارة السياحة
4. الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة وهيئة تطوير منطقة المدينة المنورة.
هذا ويمكن تبني الفكرة من خلال “برنامج خدمة ضيوف الرحمن” (أحد برامج رؤية 2030)، كونه المظلة التي تجمع كافة الجهات المعنية بتثري تجربة الزائر الدينية والثقافية



