حوار

لقاء مع الأخصائية أفنان الحربي مسؤولة مشروع علم بجمعية كيان

من ظلال الغياب إلى قمم العلم… مشروعٌ يعيد رسم مصير الأيتام!"

حوار/ د. وسيلة محمود الحلبي

في زمنٍ تتسارع فيه الفرص، يبقى التعليم هو الجسر الأقوى نحو المستقبل… وهنا تبرز جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة بمشروعها الرائد “علم”، الذي لا يكتفي بتعليم الأيتام ذوي الظروف الخاصة، بل يعيد تشكيل حياتهم من جديد.
حوارنا اليوم مع الأخصائية الاجتماعية أفنان الحربي، مسؤولة مشروع “علم”، لكشف أسرار هذا المشروع الاستثنائي (علم) … كيف يصنع الأمل؟ ، وكيف يحول التحديات إلى إنجازات؟ وكيف يفتح للأيتام أبوابًا كانت مغلقة؟ ، لنبدأ الحوار:
كيان الأخصائية أفنان الحربي: متى أدركتم أن التعليم ليس خيارًا للأيتام… بل مسألة مصير؟ وما القصة التي كانت الشرارة الأولى لإطلاق مشروع “علم”؟

من خلال العمل المباشر مع الأبناء، أدركنا أن التعليم ليس مجرد مرحلة دراسية، بل وسيلة حقيقية لحماية المستفيد من التهميش وفتح أبواب الاستقرار والتمكين له مستقبلاً. وكثير من الأبناء كانوا يمتلكون قدرات وتميزًا واضحًا، لكنهم بحاجة لمن يكتشف هذه المواهب ويوجهها بالشكل الصحيح.
ومن هنا جاءت فكرة مشروع “علم”، ليكون مشروعًا يركز على دعم المتميزين أكاديميًا، ومساندتهم للدخول في برامج الموهوبين والبرامج التعليمية النوعية، حتى تتحول قدراتهم إلى إنجازات حقيقية تنعكس على مستقبلهم وحياتهم.

 ما وراء الأرقام:
490 مستفيدًا… ماذا تعني هذه الأرقام إنسانيًا؟ وهل هناك حالة غيّرها المشروع جذريًا؟

هذه الأرقام لا تعبّر عن عددٍ مجرد، بل تختصر خلفها قصصًا إنسانية ملهمة، وتجارب تحوّل حقيقية لأبناء استطاعوا بفضل الله ثم بدعم المشروع تجاوز ظروفهم وتحقيق طموحاتهم التعليمية. فكل مستفيد هو قصة أمل، وخطوة جادة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتمكينًا.
ومن بين هذه القصص، تبرز الابنة المتميزة ريم الطائل إحدى طالبات مشروع «عِلم. فقد كانت ريم متفوقة دراسيًا، إلا أنها كانت بحاجة إلى دعمٍ نوعي واستقرار تعليمي يعزّز قدراتها ويصقل موهبتها. تم احتضانها ضمن المشروع، وتوجيهها إلى مسارات تطويرية وبرامج تعليمية داعمة، أسهمت في تنمية مهاراتها الأكاديمية والتقنية.
وتُوِّج هذا الدعم بإنجاز عالمي مشرّف، حيث حققت ريم الميدالية البرونزية في الأولمبياد العالمي للروبوت (WRO 2025)، الذي أُقيم في سنغافورة، في إنجاز يعكس أثر المشروع بصورة واضحة وملموسة. واليوم، تواصل ريم مسيرتها بثقة، وتمتلك طموحًا واضحًا لإكمال دراساتها العليا وتسخير علمها وخبرتها في خدمة مجتمعها. هذه النماذج تؤكد أن الاستثمار في التعليم ليس دعمًا مرحليًا، بل صناعة مستقبل، وأن خلف كل رقم قصة نجاح تستحق أن تُروى.

 التعليم كقوة إنقاذ:
كيف يحمي التعليم الأيتام من الضياع أو التهميش؟ وهل لاحظتم تحولًا في شخصية المستفيدين؟

التعليم يمنح الأبناء الثقة والاستقلالية والقدرة على بناء مستقبل مستقر، خصوصًا عندما يتم الاستثمار في قدراتهم وتميزهم العلمي. وقد لاحظنا تحولات كبيرة لدى المستفيدين بعد انضمامهم للمشروع، سواء من ناحية الثقة بالنفس أو الطموح أو المشاركة المجتمعية، خصوصًا بعد التحاق عدد منهم ببرامج الموهوبين والمسارات النوعية التي عززت لديهم الشعور بالإنجاز والقدرة على المنافسة.

المسارات المتعددة… رؤية أم تحدي؟
كيف تدار هذه المنظومة التعليمية المتنوعة؟ وأي المسارات كان الأكثر تأثيرًا؟

تنوع المسارات في مشروع “علم” هو رؤية استراتيجية تهدف إلى احتواء قدرات الأبناء المختلفة، فهناك من يحتاج دعمًا في التعليم العام، وآخر في التعليم الجامعي، وآخر في البرامج التطويرية أو المنصات التعليمية أو برامج الموهوبين.
ونحن نركز بشكل كبير على اكتشاف المتميزين أكاديميًا وتوجيههم نحو البرامج النوعية التي تنمي مهاراتهم وقدراتهم القيادية والعلمية.
ومن أكثر ما نركز عليه هو دعم الموهوبين والمتميزين، لأنه يصنع تحولًا حقيقيًا في حياة المستفيد وينقل إمكانياته إلى مستوى أعلى من التميز والطموح.

 شراكات تصنع الفرق:
كيف نجحتم في بناء شراكات داعمة للمشروع؟ وما دور رؤية 2030؟

 نجاح المشروع قائم على بناء شراكات تؤمن بأهمية الاستثمار في التعليم وتمكين الأبناء المتميزين. ولذلك عملنا على التعاون مع جهات تعليمية ومنصات تطويرية وبرامج نوعية تسهم في دعم المستفيدين أكاديميًا ومهاريًا.
كما أن رؤية المملكة 2030 عززت مفهوم الاستثمار في رأس المال البشري، وفتحت المجال أمام المبادرات التي تركز على صناعة جيل قادر على الإبداع والتميز والمنافسة.

 الوجه الآخر للحكاية:
ما أصعب التحديات التي وجهتموها؟ وهل واجهتم حالات تسرب؟

 من أبرز التحديات التي واجهتاها في المشروع هو ضمان استمرارية الدعم التعليمي في ظل ارتفاع التكاليف وتنوّع احتياجات المستفيدين، لا سيما عند دعم الأبناء الملتحقين بالبرامج النوعية والتعليم الجامعي، حيث تتطلب هذه المراحل موارد وجهودًا إضافية ومتابعة دقيقة. ولمواجهة ذلك، اعتمدنا نهجًا فرديًا وشموليًا في التعامل مع كل حالة، من خلال الإرشاد الأكاديمي، والمتابعة المستمرة، وتحفيز المستفيد وربطه بأهدافه وطموحاته المستقبلية. فنحن نؤمن بأن كل ابن يمتلك فرصة حقيقية للنجاح متى ما وجد التوجيه الصحيح والبيئة الداعمة.
أما على صعيد التسرب، فبفضل الله ثم بفضل هذا النهج القائم على الاحتواء والمتابعة، لم يُسجَّل في المشروع أي حالة تسرّب، وهو ما نعدّه أحد أهم مؤشرات نجاح المشروع وأثره الإيجابي المستدام.…

 المنافسة… تهديد أم فرصة؟
كيف يحافظ مشروع “علم” على تميزه؟

نحن نؤمن أن جميع المبادرات التعليمية تكمل بعضها، لكن ما يميز مشروع “علم” هو تركيزه على التمكين الحقيقي للمتميزين أكاديميًا، وليس فقط تقديم دعم دراسي تقليدي.
المشروع يعمل على اكتشاف قدرات الأبناء، وتأهيلهم للالتحاق ببرامج الموهوبين، وخلق بيئة تساعدهم على الاستمرار في التميز وتحقيق طموحاتهم العلمية والمهنية.

نقاط القوة التي لا تُهزم:
ما السر وراء التأثير الكبير للمشروع؟

 سر نجاح المشروع هو الإيمان بقدرات الأبناء والاستثمار الحقيقي في تميزهم.
كما أن شمولية المسارات التعليمية تعتبر من أهم نقاط القوة، لأنها تتيح للمستفيد فرصًا متعددة تناسب قدراته وطموحه، سواء في التعليم العام أو الجامعي أو البرامج التطويرية.

 فجوات تحتاج مواجهة:
هل يؤثر نقص الكوادر أو ارتفاع التكاليف على جودة المشروع؟

نحرص في المشروع على المحافظة على جودة المخرجات التعليمية كأولوية أساسية، ونسعى دائمًا لتجاوز أي فجوات محتملة قد تؤثر على ذلك. ففيما يخص الكوادر، نعمل على توفير بيئة تعليمية داعمة من خلال التعاون مع مختصين وشركاء نوعيين في المجال التعليمي، بما يضمن تقديم الإرشاد الأكاديمي والدعم المهني وفق أعلى المعايير الممكنة، دون أن ينعكس أي تحدٍّ تشغيلي على المستفيدين.
أما فيما يتعلق بارتفاع التكاليف، فنواجه هذا التحدي بأسلوب استباقي قائم على بناء شراكات استراتيجية مستدامة، والبحث المستمر عن فرص الدعم والمنح التعليمية، إلى جانب تنويع مصادر التمويل، بما يضمن استمرار المشروع واستدامة أثره

 التحول الرقمي… رفاهية أم ضرورة؟
كيف غيّر التعليم الرقمي حياة المستفيدين؟

قالت الحربي: أصبح التحول الرقمي اليوم ضرورة ملحّة لا رفاهية، لما له من دور محوري في توسيع فرص التعلم وتجاوز الحواجز الجغرافية والزمنية، وإتاحة الوصول السريع إلى محتوى تعليمي نوعي ومتنوع.
وقد أحدث التعليم الرقمي نقلة نوعية في حياة المستفيدين من خلال تمكينهم من الاستفادة من المنصات التعليمية الرقمية، التي أسهمت في تنمية مهاراتهم الأكاديمية والمهارية، وفتحت أمامهم آفاقًا أوسع للالتحاق بالدورات المتخصصة والبرامج النوعية، خاصة في مجالات الموهبة، والابتكار، والتطوير الأكاديمي.
كما ساعد هذا التحول على تعزيز مفهوم التعلّم الذاتي، وبناء الثقة بالقدرات، ومواكبة أحدث المعارف والتقنيات، بما أسهم في رفع جاهزية الأبناء للمراحل التعليمية المتقدمة وربطهم بفرص مستقبلية أكثر تنوعًا واستدامة. ونؤمن أن التعليم الرقمي اليوم يشكّل أحد أهم ركائز التمكين التعليمي وصناعة الأثر طويل المدى

 قصص تُروى بفخر:
هل هناك قصص نجاح مميزة داخل المشروع؟

ردت مسؤولة مشروع علم بكيان: يحتضن المشروع العديد من قصص النجاح الملهمة، التي تعكس أثره الحقيقي في تمكين الأبناء ودعم تميزهم. ومن أبرز قصص النجاح لهذا العام، ما حققه الطالب فلاح فيصل الطائل، حيث سجّل إنجازًا مشرّفًا بحصوله على الميدالية الذهبية في مسابقة الأولمبياد الدولية للعلوم، في تأكيد واضح على قدراته العلمية العالية وتميّزه الأكاديمي.
ويعد هذا الإنجاز نموذجًا مشرفًا لما يمكن أن يحققه أبناء الوطن حين تتوافر لهم بيئة داعمة، وتوجيه صحيح، وفرص تعليمية نوعية تمكّنهم من المنافسة على المستوى العالمي

الأثر العميق:
كيف يقيس المشروع نجاحه؟

قالت أفنان الحربي: نحن لا نقيس نجاح المشروع بالأرقام فقط، بل بعمق الأثر والتحول الحقيقي في حياة المستفيدين. فالمؤشر الأهم لدينا هو مدى استمرارية الأبناء في التميز الأكاديمي، والتحاقهم بالبرامج التعليمية والنوعية المناسبة لقدراتهم، إضافة إلى قدرتهم على بناء مستقبل مستقل وفاعل في المجتمع.
ونعتبر أن النجاح الفعلي يظهر عندما نرى ابناً أو ابنة انتقلوا من الحاجة إلى التمكين، ومن الاعتماد إلى الثقة بالذات والطموح الواضح.

ما بعد الـ 12 شهرًا:
هل هناك استدامة حقيقية للمستفيدين؟

أجابت الحربي: نعم، فالمشروع لا يركّز على تقديم دعم مؤقت، بل يعمل على بناء مسار تعليمي مستدام لكل مستفيد. نحرص على تمكين الأبناء بالمعرفة، والمهارات، والفرص التعليمية النوعية التي تساعدهم على الاستمرار وتحقيق أهدافهم المستقبلية حتى بعد انتهاء فترة الدعم المباشر.
هدفنا أن يمتلك المستفيد الأدوات التي تمكّنه من مواصلة النجاح ذاتيًا، وليس الاكتفاء بمرحلة زمنية محددة.

 رؤية جريئة للمستقبل:
أين ترين مشروع “عِلم” بعد خمس سنوات؟

قالت الأستاذة الحربي: نطمح أن يصبح مشروع “عِلم” نموذجًا وطنيًا رائدًا في دعم وتمكين المتميزين من الأيتام ذوي الظروف الخاصة، وأن تتوسع مساراته التعليمية والنوعية لتشمل مجالات أعمق وأكثر تنوعًا.
كما نسعى إلى تعزيز حضور الأبناء في برامج الموهبة، والابتكار، والتقنية، والبحث العلمي، بما يواكب مستهدفات التنمية، وينسجم مع رؤية المملكة المستقبلية في بناء إنسان منافس عالميًا.

 سؤال صريح جدًا:
لو توقف الدعم اليوم… هل يستطيع المشروع الاستمرار؟

قالت: “الأخصائية الاجتماعية أفنان الحربي مسؤولة مشروع علم في جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة “
نحن نعمل باستمرار على تعزيز استدامة المشروع من خلال تنويع الشراكات الاستراتيجية ومصادر الدعم، إيمانًا منا بأن الاستثمار في تعليم الأبناء المتميزين هو استثمار طويل الأثر على المجتمع بأكمله.
ولدينا توجه واضح لتوسيع دائرة الشركاء والداعمين، وبناء نماذج تشغيل مرنة، تضمن — بإذن الله — استمرار المشروع وتحقيق رسالته في تمكين الأبناء واحتضان تميزهم العلمي والمهاري على المدى البعيد.

وبعد…….
مشروع “علم” في جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة، ليس مجرد برنامج تعليمي… بل هو وعدٌ بالحياة، وفرصةٌ تُمنح لمن حُرموا من أبسط الحقوق.
وفي هذا الحوار، تتجلى الحقيقة الأعمق: أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار… وأن اليتيم حين يُمكَّن بالعلم، لا يصبح فقط ناجحًا… بل صانعًا للأثر.
وبين التحديات والطموحات، يبقى السؤال مفتوحًا: كم قصة نجاح جديدة سيكتبها “علم” في السنوات القادمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى